بحث
بحث
حي جوبر في دمشق - صوت العاصمة

تجارة الأنقاض.. الاقتصاد الموازي الذي يديره مقربون من الأسد

للقصر الجمهوري والفرقة الرابعة الحصة الأكبر من تجارة الأنقاض والمعادن القائمة على هدم وتخريب منازل السوريين، وتحت رقابة وحماية النظام السوري وأجهزته الأمنية والعسكرية.. تبدأ هذه التجارة من المدن والبلدات المدمرة وتنتهي بصهر وتدوير آلاف الأطنان من المعادن

أوجدت فترة الحرب في سوريا خلال آخر 12 عاماً المجال لظهور أمراء حرب يمتهنون تجارات غير مشروعة تصل قيمتها لعشرات وربما مئات المليارات، منها تجارة الأنقاض المنبثقة عن عمليات التعفيش التي بدأتها قوات النظام السوري وأجهزته الأمنية والميليشيات المحلية في سرقة أثاث وممتلكات المدنيين، وسرعان ما تطورت لتطال كافة الخردوات والمعادن في منازل السوريين، كأسلاك الكهرباء والقضبان الحديدية في الأعمدة والأسقف إضافة للأبواب والنوافذ وغيرها.

يكشف هذا التحقيق الذي عمل فريق العمل في صوت العاصمة على إعداده عن مؤسسي هذه التجارة وتطورها والصراع للاستحواذ عليها.

ظهور الفكرة
بداية تجارة الأنقاض والمعادن كانت لدى محمد ربيع عفر وشقيقه أحمد في محافظة حلب حيث أنشأ الأخوين مستودعات ومعامل صغيرة لتدوير البلاستيك والمعادن والخردوات.

ووسع الأخوين أعمالهما في أرياف حلب والمناطق المجاورة بتسهيل من الضباط العسكريين المسؤولين عن القطاعات التي تجري بها عمليات  التعدين والتنحيس مقابل مبالغ مالية تُدفع للضباط باتفاق مسبق حسب المساحة أو الكميات، وامتدت علاقات محمد عفر بعد تنامي تجارته إلى ضباط برتب رفيعة خصيصاً مع ضباط في الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد.

علاقات عفر بضباط ومسؤولين من المؤسستين العسكرية والأمنية أتاحت له توسيع رقعة عمله والانتقال إلى العاصمة دمشق وريفها والتي جعلت منه الرجل الأول في تجارة الأنقاض وتدوير المعادن والخردوات، ولديه مكاتب ومحاسبين في معظم المحافظات السورية وعلاقات أوسع مع قادة الفرق والقطاعات العسكرية وضباط الفروع الأمنية وقادة الميليشيات المحلية أو ما يعرف باسم “القوات الرديفة”

تجارة بهذا الحجم دفعت بالأخوين عفر لإنشاء مشروع ضخم يشمل كامل الموارد من الجغرافيا السورية، تجري به عملية إعادة تدوير الخردوات والمعادن تحت حماية الفرقة الرابعة وبالقرب من مقراتها في الديماس بريف دمشق، واستمر الحال على ماهو عليه لما يقارب ثلاثة أعوام حتى مقتل محمد العفر في تشرين الثاني من العام 2016 داخل مكتبه في حي المزة بدمشق، لتبدأ تجارة الأنقاض تأخذ منحى التوسع والانتشار، لكن هذه المرة برعاية شخصيات أكثر قرباً من عائلة الأسد.

صعود خضر علي طاهر (أبو علي خضر)
لم تنتهِ تجارة الأنقاض المنظمة بمقتل محمد العفر وإقصاء شقيقه وبقية أفراد العائلة بما جنته خلال سنوات عملهم إضافة لبعض الأعمال والشراكات في مصانع ومصارف وأعمال تجارية، إنما بدأت بالتوسع أكثر في معظم المناطق السورية وبصورة أكبر بإدارة الوجه الجديد خضر علي طاهر والملقب بأبو علي خضر المقرب من الفرقة الرابعة، والذي كان أحد المقربين من محمد العفر إذ تزامن وصوله إلى دمشق مع وصول العفر وافتتاح مكاتب لشركته القائمة على تجارة الأنقاض.

تقرب خضر من الشقيقين عفر ودخل في كافة تفاصيل وأعمال وصفقات وعلاقات التجارة التي يديرها الأخوين وأمسك بكافة خيوطها، كما أسس في تلك الفترة شبكة علاقات واسعة مع تجار مقربين من عائلة الأسد ومع ضباط عسكريين وأمنيين وعلى وجه الخصوص رئيس مكتب أمن الفرقة الرابعة غسان بلال.

توارى أبو علي خضر عن الأنظار وغاب عن دمشق لمدة أسبوعين عقب مقتل العفر وسرقة مكاتبه وبيانات التجارة التي كان يقوم عنها بالكامل، وبعودته مرة أخرى إلى دمشق بدأ بافتتاح مكتب للتعهدات والعقارات وعمل على كسب المقربين من محمد عفر والعاملين لديه والمحاسبين إلى صالحه بالتزامن مع توسيع شبكة علاقاته مع المتنفذين والمسؤولين وكبار الضباط لدخول الوسط الاقتصادي الحكومي العسكري، وسرعان ما نجح في التقرب من ماهر الأسد وشخصيات أخرى داخل القصر الجمهوري.

إلمام أبو علي خضر بكافة قواعد وأساسيات وطرق العمل في تجارة الأنقاض ومعرفته بالشخصيات التي وفرت للعفر تسهيلات العمل وسرقة بيانات الأخير قبل مقتله دفعت بخضر لأنّ يطرح مشروع كسب المليارات من هذه التجارة على مسؤولين كبار وشخصيات متنفذة ذات تأثير على العديد من مفاصل الدولة، حيث فنّد خضر مشروعه من أصغر تفصيل مروراً بطرق جمع الخردوات و”التعدين” و”التنحيس” و”و” حتى مراكز إعادة التدوير والتصنيع ومعامل الصهر ومشاريع لتوسيع مكبات الخردوات واستحداث أخرى بالقرب من مناطق العمل التي عادة ما تكون المناطق السكنية التي تدخلها قوات النظام السوري والميليشيات المقاتلة إلى جانبه بعد معارك مع فصائل المعارضة السورية.

مدينة حرستا في ريف دمشق – صوت العاصمة

عام الفوضى
مرّت تجارة الأنقاض والمعادن بفترة من الفوضى امتدت من أواخر العام 2016 وحتى أواخر العام 2017، وهي الفترة التي سبقت تنظيم أبو علي خضر لتجارة الخردوات واحتكارها لصالحه.

كان سوق الخردوات وتجارة الأنقاض والتعدين والتنحيس عشوائياً، فعلى مستوى العاصمة دمشق وريفها كان رجل الأعمال مالك إحدى معامل صهر الحديد والمعادن في عدرا الصناعية محمد حمشو منفرداً في استخراج المعادن من حي القابون وتحطيم الأسقف والهياكل الإنشائية في الحي لاستخراج الحديد المستخدم فيها، علاوة على ما تم جمعه من الأبنية المدمرة، وكذلك جمعية البستان التي كانت في تلك الفترة تابعة لرامي مخلوف، وكذلك الفرقة الرابعة استغلت حالة العشوائية وعمل بشكل مستقل على منح استثمارات صغيرة لمتعهدي التعدين في مناطق سيطرتها إضافة لتمرير المعادن التي يجمعها على الميزان التابع للفرقة الرابعة بالقرب من مدينة داريا لتنظيم فواتير بالحمولات قبل إرسال كل شاحنة إلى وجهتها سواء لمعامل الصهر أو غيرها.

وعلى الرغم من عشوائية المشهد إلا أنّ أبو علي خضر الذي يعرف قواعد هذه التجارة أكثر من أي أحد كان يقف بعيداً وعلى مسافة واحدة من جميع الأطراف، ويُهيّئ بدعم من الفرقة الرابعة وشركات أمنية للترفيق، أرضية تتيح له دخول هذه التجارة بقوة والاستحواذ عليها وتمرير ما يتم نهبه من معادن إى أفران وآلات صهر أعدها قبل أن يلمع اسمها في أعلى هرم هذه التجارة.

العمل تحن مظلة القانون (الشركة السورية للمعادن)
بوصول أبو علي خضر لأعلى هرم تجارة الأنقاض وانتهاء دور عائلة العفر بشكل كامل، عمل وداعميه من المسؤولين والمتنفذين على إعطاء هذه التجارة صورة شرعية توفر لهم الحماية القانونية بعيداً عن بقائها في الظل، وأسس “الشركة السورية للمعادن والاستثمار” بشراكة مع ناصر ديب مدير الأمن الجنائي الذي كان شريكاً في شركة سند للحراسات وشركة ايلا للإعلانات وشراكات تجارية أخرى مع يسار إبراهيم مستشار بشار الأسد للشؤون الاقتصادية ومسؤول المكتب الاقتصادي في القصر الجمهوري.

وأفسح إنشاء السورية للمعادن المجال لأبو علي خضر المجال للدخول للقطاع الحكومي في سوريا، إذ استحوذ على العديد من المناقصات وصفقات توريد المعادن أو إعادة تدويره أو إتلافه وغيرها.

وحرص أبو علي خضر على الإمساك بكافة مفاصل الشركة حتى لا يلقى مصيراً كمصير مؤسس هذه التجارة، من خلال توكيل مقربين منه إدارتها والأقسام الحساسة فيها.

حي جوبر في دمشق – صوت العاصمة

ويدير الشركة عصام إسماعيل، صديق شخصي لأبو علي خضر وشريك معه في معمل بريف دمشق لتصنيع كربونات الكالسيوم التي تدخل في صناعات أخرى منها صناعة الدهانات والمنظفات والرخام والإسمنت والورق والبلاستيك، ويتشاركان أيضاً في شركة الأسطورة للنقل البحري والتخليص الجمركي ومقرها في اللاذقية.

ويترأس أحمد شقيق طاهر خضر لجنة العلاقات العامة في الشركة ومن مسؤوليات هذه اللجنة البقاء على تواصل مع جميع الأطراف المرتبطة بالشركة، كالفرقة الرابعة ومكتب أمنها والفروع الأمنية والوزارات والمؤسسات الحكومية، إضافة لإشراف أحمد خضر على معظم نشاطات الشركة في المحافظات السورية.

ويتولى ستة أشخاص من عائلة خضر ومن المقربين من الشقيقين أحمد وطاهر إدارة مكاتب وإدارات في الشركة، منها المكتب المالي والمكتب القانوني والقسم التقني المسؤول عن كافة بيانات الشركة وخطوط إضافة لأقسام الشحن والاستيراد والتصدير.

القطاع العام ودور المؤسسة العسكرية والأمنية
لم يكتفِ رعاة تجارة المعادن بما تجنيه عمليات الاستخراج من أنقاض المدن المدمرة، واتجهوا إلى بسط سيطرتهم على كل ما يخص تجارتهم لدى القطاع الحكومي، مستغلين في الدرجة الأولى الحالة المتردية التي وصلت لها مؤسسات وشركات القطاع العام نتيجة تضرر معاملها وورشها جراء العمليات العسكرية والحرب بين النظام السوري وفصائل المعارضة، واستقطاب غالبية كوادرها والمختصين ومنحهم رواتب أعلى بعدة أضعاف رواتب القطاع الحكومي، بالإضافة لإهمال النظام السوري للاقتصاد المحلي والإنتاج والتركيز على الجوانب الأمنية والعسكرية، ما أدى لنجاح أبو علي خضر في تحييد معامل ومصانع القطاع العام عن منافسته.

وفي الدرجة الثانية استغل أبو علي خضر علاقاته المتغلغلة في معظم مفاصل الدولة ووزاراتها ومؤسساتها لإيقاف وإفشال مناقصات تصل قيمتها لعشرات المليارات، كما أسهمت شبكة العلاقات الواسعة لأبو الي في دفع مدراء ومسؤولين لإقرار موازنات خاسرة للعديد من المنشآت في نهاية كل عام وتعطيل عمل مصانع والتلاعب بموادها أو خطوط إنتاجها خصيصاً فيما يتعلق بالحديد والصلب والنحاس والألمونيوم والكابلات وغيرها من المعادن.

ورغم محاولات بعض المدراء والمسؤولين الحكوميين تفعيل خطط اقتصادية لبعض المنشآت الصالحة للعمل كمقترح مدير اللجنة السورية للمعادن أسعد وردة في العام 2019 وضع يد اللجنة على خردوات ومعادن القطاع العام وتدويرها في معامل الصهر الحكومية لرفد الخزينة العامة بدخل مالي مرتفع، إضافة لمقترحات وخطط مشابهة عرضت مراراً على مجلس الوزراء وقوبلت بتجاهل متعمّد أو بالرفض.

وبتغييب وتحجيم وإقصاء القطاع العام ومؤسسات الدولة المدنية كان يحل محلّها الطرف العسكري ممثلاً بالفرقة الربعة الداعم الرئيسي لأبو علي خضر والشريكة مع شركات الحراسة الأمنية والترفيق، والتي أصبحت لاعباً أساسياً في تجارة الخردوات بسبب انتشارها على خطوط التماس وفي المدن والبلدات والأرياف التي دخلتها عقب معارك وعمليات عسكرية.

وتتقاضى الفرقة الرابعة ومكتب أمنها الذي يديره غسان بلال مبالغ مالية شهرية بالإضافة لنسبة من المعادن التي تصل للميزان أو مبالغ مالية بدلاً عن النسبة، مقابل تسهيل عبور شاحنات الخردوات من حواجزها وتسهيل عمليات التعدين والتنحيس وجمع الخردوات.

حي القابون في دمشق – صوت العاصمة

وأدارت الفرقة الرابعة في عشرات المناطق التي دخلتها عمليات  استخراج المعادن عن طريق عناصرها والمتطوعين معها، إلى جانب شراكتها مع ميليشيا فاغنر الروسية في هذه التجارة، إذ صدّرت الرابعة معادن عن طريق الميليشيا الروسية إلى القرم وجنوب روسيا مقابل استيراد مواد أولية تدخل في صناعات عديدة يديرها أبو علي خضر وأخرى لصالح الصناعات في القطاع الحكومي.

الفروع الأمنية السورية نالت نصيبها من تجارة المليارات أيضاً، إذ ضغطت على مجالس المحافظات والإدارات المحلية لتأخير عودة أهالي المناطق الذين هُجِّروا منها جراء العمليات العسكرية إلى حين انتها ورش العمال من استخراج المعادن والخردوات منها، كما اشترطت على سكان بعض المدن والأحياء حصولهم على موافقات أمنية يستغرق الحصول عليها مدة تتراوح بين 6 أشهر و12 شهراً.

واستخدمت فروع الأمن والاستخبارات سلطتها لتعطيل افتتاح معامل ومصانع مرتبطة بتجارة وصناعة المعادن، إضافة لتسهيل دخول ورش استخراج المعادن وعبور شاحنات الخردوات عبر الحواجز الأمنية، وذلك كله مقابل رشاوى مالية يتقاضاها ضباط برتب عالية ومسؤولين أمنيين إما بشكل دوري كل شهر، أو حسب كل منطقة أو كمية من الشركة السورية للمعادن ومكاتبها “مندوبي أبو علي خضر” في المحافظات.

إقصاء القطاع الخاص وأمراء الحرب
رغبة أبو علي خضر بالانفراد بتجارة الخردوات لم تنتهِ بتحييد القطاع العام عن المنافسة ولا بمقتل مؤسسها محمد العفر، فحالة الحرب التي شهدتها سوريا مهدّت لصعود أمراء حرب قادرون على المنافسة، كجمعية البستان التي كانت قبل العام 2021 مرخصة لمجموعة راماك المملوكة لرامي مخلوف ابن خالة بشار الأسد، وكذلك ميليشيا الدفاع الوطني التي عملت بتجارة الخردوات حتى سنوات متأخرة بالإضافة لتجار وصناعيين لهم نفوذهم داخل مفاصل النظام السوري ومؤسساته الأمنية والعسكرية.

وجميع الطامحين لدخول هذه التجارة مثل محمد حمشو الذي عمل على استخراج المعادن من حي القابون، وعائلة حميشو المالكة لشركة حميشو للمعادن، وشركة حورانية لتجارة المعادن، وتجار آخرين في محافظة حلب، لم يتسيطعوا منافسة أبو علي خضر الذي قوّض تجارتهم إلى مستويات لا تتيح لهم مواصلة العمل.

مارس أبو علي خضر والفرقة الرابعة ضغوطاً على كافة العاملين مع منافسيهم في القطاع الخاص وفرض إتاوات على المدنيين والتجار الصغار العاملين لصالح الأطراف الأخرى، ونجحت السورية للمعادن في استقطاب شخصيات كانت تدير تجارة المنافسين لصالحها إما عبر التهديد بالقتل والاعتقال والملاحقات، أو عن طريق عروض مالية مغرية.

مخيم اليرموك في دمشق – صوت العاصمة

ويحظر أبو علي خضر على المستثمرين في المحافظات السورية بيع الخردوات لغير الشركة السورية للمعادن بشكل قطعي، وأي مستثمر أو مسؤول عن الأرضيات الكبيرة أو الصغيرة يبيع الخردوات والمعادن خارج ميزان الشركة الكبير في مركزيها بعدرا الصناعية وحسياء لشركات أخرى مثل شركات حمشو وحميشو ولو بأسعار أعلى يتم فصله ومصادرة ممتلكاته وقد تصل العقوبة إلى القتل الغير مباشر.

رحلة الخردوات من الميدان إلى الشركة
للشركة السورية للمعادن ثلاثة طرق لجمع الخردوات من كافة الجغرافيا السورية الواقعة تحت سيطرة النظام السوري، وتختلف هذه الطرق بحسب الأماكن، فطريقة العمل في المدن والأرياف الغير مدمرة تختلف كلياً عن طريقة العمل في المناطق المدمرة، وكذلك تختلف عن طريقة عمل المستثمرين الذين يعملون لصالح الشركة في مناطق محددة سواء أكانت مأهولة أو مدمرة، وأحياناً يكون المستثمر مسؤولاً عن محافظة بأكملها.

المدن والأرياف الغير مدمرة
عادة ما يشرف تاجر صغير على مجموعة مؤلفة من بعض الشبان والمراهقين والعمال، ضمن نطاق حي واحد أو بلدة ما، حيث يقوم جامعي الخردوات بالتنقل مشياً على الأقدام أو بواسطة شاحنات صغيرة بحثاً عن أي خردوات أو معادن يمكن جمعها وتسليمها للمسؤول عنهم مقابل أجور يومية.

ويحدد المسؤول عن المجموعة أسعار كل صنف من المعادن والبلاستيك والأخشاب للعمال في حال عثروا لدى الأهالي على ما يمكن شراؤه وخصيصاً النحاس والألومنيوم، وفي نهاية اليوم يقوم بجمع الخردوات ونقلها لشخص آخر يكون مسؤولاً عن مستودع صغير للتخرين المؤقت، وبدوره يقوم الأخير بتجميع كميات من الخردوات ونقلها إلى “الأرضية الصغيرة” التي يتم فيها وزن وفرز المعادن.

و”الأرضية” هي ساحة خاصة بالخردوات تستقبل ما يتم جمعه من عدة مدن وبلدات ومزارع محيطة بها، ومن الأرضية الصغيرة يتم نقل الخردوات إلى “الأرضية الكبيرة” وعادة ما يكون في كل محافظة أرضية واحدة كبيرة يُشرف عليها مندوب عن المستثمر الذي يعمل لصالح الشركة السورية للمعادن، وتضم هذه الأرضيات مكاتب للمحاسبة ومستودعات كبيرة وميزاناً للشاحنات أو موازين صغيرة وعشرات العمال لفرز الخردوات كل صنف على حدة، كالحديد الذي يتم فرزه في هذه المرحلة إلى حديد قابل للتدوير أو حديد قابل للصهر أو حديد يمكن بيعه في أسواق المستعمل، وفرز النحاس بحسب نقاوته ولونه، وفرز الألومنيوم بحسب نقاوته أو استخدامه، بالإضافة لفرز المواد البلاستيكية والأخشاب التي فرزها بحسب حالتها للاستخدام في المناشر أو استخدامها كحطب للتدفئة.

ومن الأرضيات الكبيرة تخرج الشاحنات محملة بالمعادن والخردوات المفروزة وترافقها دوريات من شركات الحراسة الأمنية أو دوريات من مكتب أمن الفرقة الرابعة إلى مقرات الشركة السورية للمعادن والتي تتسلمها وفق إيصالات رسمية وتدقق فواتير الحمولات وبيانات الميزان.

المناطق المدمرة
يتسابق متعهدون ومستثمرون للحصول لدخول المناطق المدمرة الغير مأهولة بالسكان لكونها نهراً من ذهب -في منظورهم-، ويستخرج منها كميات هائلة من المعادن، وعادة ما تمنح شركة أبو علي خضر المناطق المنكوبة ذات المساحات الواسعة لأكثر من مستثمر، وعلى المستثمرين المقبولين تسديد رسوم مالية تصل لعشرات وربما مئات الملايين كتأمين تتقاضاه السورية للمعادن، وتسديد رسوم لمجلس المحافظة لإنشاء أرضية لتجميع وفرز ووزن الخردوات، كما يترتب عليهم الدفع المسبق للعمال والسائقين.

وبمجرد حصول المستثمر على كافة الموافقات تبدأ عمليات التعدين والتنحيس واستخراج الخردوات من المباني المدمرة كلياً، وما إن يتم الانتهاء منها حتى تبدأ الورش بالاستخراج من المباني المدمرة جزئياً والمباني المتصدعة وصولاً للأبنية السليمة التي يتم تحطيم أسقفها وأعمدتها واستخراج حديد التسليح منها، ولا تُستثنى المباني العامة ودور العبادة وغيرها من عمليات التعدين.

يقوم المستثمر بتجميع الخردوات في الأرضية الصغيرة التي استحدثها ليقوم عمال آخرون بفرزها وتحميلها في شاحنات تنقلها إلى الميزان ومنه يتم نقلها وتسليمها إلى مقرات الشركة ومعاملها ضمن إيصالات رسمية تقوم الشركة بتسديد قيمتها خلال يومين أو ثلاثة أيام، بعد التأكد من الحمولات وخلوها من عمليات الغش كتحميل أتربة أو حجارة بين الخردوات.

بلدة زملكا في ريف دمشق – صوت العاصمة

المستثمرون
تمنح شركة أبو علي خضر للمعادن استثمارات في المحافظات السورية بحيث يكون في كل محافظة مستثمر واحد، أو أكثر يكون كلٌ منهم مسؤول عن قطاع محدد بحسب قدرته المالية.

بعد قبول المستثمر في الشركة يترتب عليه تسديد مبالغ يتم الاتفاق عليها بين الطرفين ضمن عقود تختلف من مستثمر لآخر، وعادة ما تكون العقود سنوية يقوم المستثمر بتسديد قيمة العقد بمجرد توقيعه.

بعد الاتفاق مع الشركة يقوم المستثمر باستكمال التراخيص اللازمة للبدء بالعمل كإنشاء أرضية وميزان للشاحنات ومعظمهم يقوم بتركيب مكابس هيدروليكية لضغط المعادن ضمن قوالب ذات مقاسات واحدة ليسهل نقلها وتحميلها وتفريغها.

في دمشق يدفع المستثمرون رشاوى في أروقة المحافظة تتراوح بين 10 و20 ليرة ذهبية عدا عن الرسوم القانونية للسماح له بإنشاء الأرضية، بينما في بعض المحافظات مثل محافظتي ريف دمشق وحلب يدفع المستثمرون للشركة السورية للمعادن مبالغ تتراوح بين 5 و10 مليارات ليرة سورية شاملة تأمين كافة التراخيص اللازمة للمباشرة في العمل.

وتفضل إدارة شركة أبو علي خضر قبض قيمة الاستثمارات بالقطع الأجنبي، وفي هذه المرحلة تقتطع الرابعة حصتها من قيمة الاستثمار لكونها مطلعة على جميع العقود ومن الممكن أن ترشح شخص من قبلها لاستثمار منطقة معينة وتتركه للتفاوض مع الشركة.

ومنحت الشركة السورية للمعادن استثمار المحافظات الساحلية ومحافظتي حلب وحمص لأشخاص مقربين من أبو علي خضر وآخرين من قيادة الفرقة الرابعة، وجميعهم يقومون بتجديد عقودهم مع الشركة ومع مجالس المحافظات التي يعملون بها، كما أبرموا عقوداً سنوية ثانوية بمبالغ وصلت إلى 2 مليار ليرة سورية لإنشاء أرضيات بالقرب من المناطق الساخنة.

آلية العمل في السورية للمعادن
ولشركة المعادن مركزين رئيسين، أحدهما في عدرا الصناعية والآخر في حسياء، ويتواجد بكلٍ منهما ما يسمى بالميزان الكبير الذي تتسلم على أساسه الخردوات من المستثمرين إلى اللجنة العامة التي يترأسها أحمد شقيق طاهر خضر بالإضافة للجنة حكومية تتواجد شكلياً لمراقبة حجم العمل وإيرادات الشركة.

تقوم الشركة بتسجيل بيانات كل مستثمر وتدوين كميات كل من المعادن المفرّزة التي استلمتها منه وأوزانها لتحديد كيفية التصرف بها ونقلها إلى معامل الصهر أو خطوط إعادة التدوير وما إلى ذلك.

ويُلزم عقد الاستثمار المبرم بين الشركة السورية للمعادن ومجلس الوزراء بتوزيع حصص من إنتاج الشركة لبعض الوزارات، كوزارتي الصناعة والإدارة المحلية بنسبة تتراوح بين 5 و7% من الإنتاج، فيما تحصل الفرقة الرابعة ومكتب أمنها على الحصة الأكبر عائدات وأرباح الشركة كونها الداعم الأساسي للشركة وتوفر لها الحماية والحصانة وتسهّل عملها وعبور شاحنتها، وينال أبو علي خضر وشركاؤه نسبة أقل من التي تحصل عليها الفرقة الرابعة.

أسعار الشركة
تدفع شركة أبو علي خضر التي تعتبر المصدر الأول لعمليات الدفع التالية (ذات الطابع الهرمي في حالة المناطق الغير مدمرة) قيمة ما تتسلمه من خردوات للمستثمرين الرئيسين لديها أصحاب الأرضيات الكبيرة في المحافظات السورية بحسب الأسعار القابلة للتغير بين كل فترة وأخرى، ويجري المستثمر عملية الدفع التالية للمسؤولين عن الأرضيات الصغيرة والذي بدورهم يدفعون لأصحاب المستودعات المؤقتة ومنهم إلى عمال جمع الخردة.

أما في حالة الاستثمارات في المناطق المدمرة فإنّ المتعهدين أو المستثمرين يقومون بدفع أجور شهرية للموظفين لديهم، وأجور يومية لعمال وورش التعدين والتنحيس والجمع.

وبلغ متوسط الأسعار التي حددتها الشركة لاستلام الخردوات خلال العام 2023 الفائت للكيلو الواحد على النحو الآتي:

الحرب باب رزق
تراجعت إيرادات الشركة السورية للمعادن وانخفض إنتاج معامل الصهر لديها منذ بداية العام 2021 لتراجع وتيرة العمليات العسكرية في كافة الأراضي السورية إلى حد عدم تأثيرها على خريطة السيطرة ما لم يسمح للشركة بالدخول إلى مناطق جديدة والتجارة بأنقاضها.

وانحسر عمل الشركة خلال العامين الأخيرين في الأحياء التي لا يزال أهاليها محرومين من العودة إليها، كأحياء جوبر والحجر الأسود ومخيم اليرموك في دمشق، وبعص المناطق والقرى بريف دمشق، بالإضافة لما يجمعه المبتاعون الجوالون وورشات التعدين والتنحيس في المناطق المأهولة ونباشي القمامة من المكبات.

وبحسب مصدر مقرّب من أبو علي خضر وشركته فإنّ عملها مؤخراً انخفض إلى مستويات قياسية، إذ لا تصل إلى الميزان الكبير إلا كميات قليلة من الحديد والبطاريات، فيما كان يزن في سنوات سابقة عشرات ومئات الأطنان من الخردوات والمعادن بشكل يومي.

وبيّن المصدر أنّ المشروع لا يزال غير خاسر حتى اللحظة وأنّ جميع المبالغ التي صرفت في تأسيسه جرى استردادها خلال العام الأول من استحواذ الشركة على تجارة الأنقاض في سوريا، مضيفاً أنّ أبو علي خضر وشركاؤه ينتظرون استئناف الحرب على كافة الجبهات في سوريا لإحياء مشروعهم واستمراريته بذات الإنتاجية التي بدأ بها.