• بحث
المكتب السرّي للابتزاز المالي في سوريا
انترنت

المكتب السرّي للابتزاز المالي في سوريا

“تتجاوز الإجراءات التي يتخذها المكتب “السرّي” حدود متطلبات تحصيل دفعات مالية للنظام فالمبالغ الضخمة التي تُفرض، خاصة على أصحاب المشاريع المتوسطة، تبدو كما لو أنها تهدف إلى الاستيلاء على هذا النوع من المشاريع”

منذ إصدار المرسوم رقم 10 لعام 1991 في سوريا، باتَ التوجه الاقتصادي للنظام الحاكم يعتمد ترك هوامش للصناعيين، خاصةً أصحاب المنشآت المتوسطة والصغيرة، ما أتاح المجال لنشوء قطاعات اقتصادية قادرة على تشغيل أعداد أكبر من العمّال. كان هذا يزيح عبئاً كبيراً عن الدولة، التي اعتُبرت لسنوات المشغل الرئيسي في قطاع العمل السوري، خاصةً خلال السبعينات والثمانينات من القرن العشرين. وقد استمرّ عمل جزء كبير من هذه المؤسسات خلال السنوات الماضية رغم المعارك، وصولاً إلى العام المنقضي 2021 الذي شهد إغلاق كثير منها ومغادرة المئات من أصحابها إلى خارج البلد.

رغم ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي، اختار كثيرون من أصحاب تلك المشاريع البقاء في البلد، نتيجة عدم قدرتهم على المنافسة في أسواق البلدان المحيطة، ونتيجة سهولة نقل أعمالهم من المناطق التي شهدت عمليات عسكرية إلى مناطق أكثر أمناً مثل مراكز المدن. اليوم، تتعرض هذه الفئة من المشاريع لتحدٍ كبير قد يؤدي إلى نهاية مشوارها الذي استمر لعقود، إذ يواجه أصحابها ضغوطاً جديدة قد لا يستطيعون احتمالها من طرف النظام السوري.

جميع أصحاب الأعمال في سوريا تأتيهم زيارات اليوم، سواء كانوا من فئة التجار والصناعيين المتوسطين أو من أصحاب رؤوس الأموال البارزين، وهي زيارات ستكلّفهم الملايين، حسب أحد الصناعيين الذين تحدثنا إليهم خلال إنجاز هذا النص. دفعت هذه الملايين بالعديدين إلى نقل أعمالهم خارج البلد خلال السنة الماضية، ضمن موجة تبدو وكأنّها إشعارٌ بالسيطرة النهائية والمباشرة لدائرة الأسد الضيقة على جميع مفاصل الاقتصاد السوري، من أكبر معامل السكر إلى أصغر موزعي الجملة في أسواق دمشق وحلب.

في صباح أحد الأيام منذ ثلاثة أشهر، زارت دورية أمنية منشأةً صناعية لأحد الصناعيين من مدينة حلب، والذي يقطن الآن خارج سوريا. طلبت الدورية منه مراجعة الفرع المعروف باسم فرع الخطيب في العاصمة دمشق، وهو الفرع الذي يحمل الرقم 251، والتابع للإدارة العامة للمخابرات، أو أمن الدولة كما تُعرَف. ورغم أن الصناعي ليس لديه أي نشاط سياسي، كما قال في حديثه مع الجمهورية، إلا أن الطلب أثار قلقه وقلق عائلته بشدة، ما اضطره لدفع رشاوى لأشخاص مقابل السؤال عن سبب طلب الزيارة. بنتيجة السؤال، تبيَّنَ أنّ الزيارة لم تكن لفرع الخطيب، وأنّ الفرع يقوم بتحويل رجال الأعمال بشكل مباشر إلى أحد موظفي مكتب خاص تابع للقصر الجمهوري يدعى المكتب المالي والاقتصادي، والذي يديره اليوم رجل الأعمال ومساعد بشار الأسد يسار إبراهيم: «عرفتُ السبب فوراً عندما سمعتُ بالاسم. يريدون إتاوة على المعمل ويبدو أنّها كبيرة هذه المرة، لذلك قررتُ إغلاق المعمل بهدوء، فالأمر ليس لعبة معهم، وليس في مقدوري دفع الملايين كما دفع غيري»؛ يقول رجل الأعمال الحلبي الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه.

تكررت خلال العامين 2020 و2021 زيارات مشابهة للتجار والصناعيين المتوسطين، بعد أن تردّدت قبل ذلك أخبار الزيارات التي قام بها رجال أعمال كبار مثل سامر فوز للقصر الجمهوري، حيث تم فرض التنازل عن جزء من استثماراتهم لصالح المكتب المذكور. وقد كشفت مصادر خاصة للجمهورية أنّ المكتب موجود بالفعل في القصر الجمهوري تحت اسم المكتب المالي والاقتصادي، وأنه تحت إدارة يسار حسين إبراهيم بالفعل، يعاونه عدد قليل من الموظفين، الذين يتخّذون من فندق الفورسيزن في دمشق أو فندق الميريديان في اللاذقية مقراً لأعمالهم ولقاءاتهم مع التجّار والصناعيين خارج جدران القصر الجمهوري. ويلعب فرع الخطيب المذكور أعلاه دور القوة التنفيذية للمكتب، فيما يحصل المكتب على معلوماته من مكتب آخر في القصر الجمهوري، هو مكتب المعلومات.

ونشر موقع الحرة تحقيقاً حول المسألة، أكّدَ فيه أن دوريات تابعة للمكتب السرّي، وفقاً للتسمية الشائعة اليوم في البلد، مؤلفة من عناصر في أمن الدولة، تقوم بجولات للابتزاز المالي تشمل حتى المحال متوسطة الحال في أسواق المدن السورية مثل مدينة حمص. وقد أَضفَت تسمية المكتب السرّي بعض الغموض والالتباس حول تبعية المكتب الحقيقية، إذ كان للإدارة العامة للجمارك مكتبٌ يحمل اسم المكتب السرّي، وكان يعمل بصفة رسمية لمكافحة عمليات التهريب الكبيرة والتحقيق فيها، لكنّه على أرض الواقع كان يقوم بممارسات مشابهة، وهو ما دفع إلى الخلط بين المكتبين. إلّا أنّ مصادرنا تشير إلى أنّ المكتب السري التابع للقصر الجمهوري يعمل اليوم تحت اسم رسمي هو المكتب المالي والاقتصادي بإشراف مباشر من أسماء الأسد، وأن مديره كان قد صعد سريعاً ضمن حلقة المقربين من الأسد منذ أعوام قليلة، وذلك بعد تسلمه «مكتب رعاية أسر الشهداء» التابع لوزارة الدفاع عام 2018. اليوم، تتقاطع مصادر ومؤشرات على أن يسار إبراهيم كان يتسلّم مهاماً في القصر الجمهوري قبل ذلك، ضمن حلقة الشباب الذين أحاط بشار الأسد نفسه بهم منذ العام 2011 بصفة مستشارين أمنيين وسياسيين.

لم تعد المشكلات التي تسبّبها زيارات المكتب السري التابع للقصر الجمهوري سرّاً في سوريا، إذ نُشرت مقالات عن رجال أعمال قرروا إغلاق أعمالهم، وحتى توفوا كمداً، نتيجة تلك الإجراءات.

يقول أحد موظفي حلاوة البرج للجمهورية إنّ أصحاب المعمل، أبناء صبحي الرفاعي، بدأوا بنقل أعمالهم، التي تشمل معملي حلاوة البرج والنجمة، من ريف دمشق إلى مصر، بعد مطالبتهم بمبالغ مالية كبيرة. ويقول مصدر آخر أنّ رجل الأعمال معن السوسي، ابن أخت رئيس شعبة الأمن العسكري السابق اللواء محمد محلا، قد تلقى اتصالاً هاتفياً مباشراً من يسار إبراهيم يفرض عليه مبلغاً من أجل حملة بشار الأسد «الانتخابية» بناءً على تقديرات لتعاملاته المالية خلال العام الفائت. وقد أُرسلت الدفعة الأولى بشكل نقدي إلى الحملة، بينما كانت الدفعة الثانية عبارة عن شيك موجه لبرنامج مسار التابع للأمانة السورية للتنمية المرتبطة مباشرةً بأسماء الأسد. تكررت القصة بتفاصيل أخرى مع رجل الأعمال عاصم سليمان سليمان، الذي فُرِضَ عليه التنازل مع أخوته عن مبلغ مليار ليرة سورية من قبل فرع الخطيب التابع لأمن الدولة بناءً على تعليمات المكتب المالي.

تتشابه قصص فرض الإتاوة في معظم الحالات، إذ يتلقى رجلُ الأعمال بحسب صلاتهِ بالنظام وحجمِ استثماراته اتصالاً من المكتب المالي مباشرةً، أو يتمّ استدعاؤه إلى أحد أفرع أمن الدولة حيث يتم احتجازه بينما يقوم أحد أفراد عائلته بإيداع المبلغ المطلوب في حساب يتبع أحد صناديق دعم أسر الشهداء والمصابين، ويحصل المودع بالمقابل على إيصال صادر عن حاكم مصرف سورية المركزي محمد عصام هزيمة ليسلم هذا الايصال في الفرع المعني حتّى يتم الإفراج عن المحتجز.

ويبدو أن الخضوع الطوعي لأعمال هذا المكتب يؤدي إلى نتائج معاكسة للإفلاس أو إغلاق المنشآت، إذ قام رجل الأعمال هيثم صبحي جود، أحد أفراد عائلة جود التي تعد من كبرى العائلات التجارية في البلد، بالمبادرة بالاتصال بيسار إبراهيم، المسؤول عن المكتب المالي في القصر الجمهوري، للاستفسار عن المبالغ المترتبة عليه لدفعها، وهو ما جعله يحصل على دعم أكبر من الذي حصل عليه والده أو عمه خلال السنوات الأربعين الماضية، وسمح له بتطوير خطوط إنتاج المواد الغذائية ضمن معامله والتحضير لافتتاح شركات جديدة.

بالمقابل، فإنّ أعمال هذا المكتب لم تتوقف عند أي شخصية مهما كانت صِلاتها السابقة، إذ طُلب من رجل الأعمال طريف الأخرس، قريب أسماء الأسد، التنازل عن جزء من استثماراته في قطاعي السكّر والزيوت، الأمر الذي رفضه الأخرس معتمداً على صلة قرابته مع أسماء. لكن التنازل فُرض على طريف بالقوة في النهاية، والذي قالت مصادر خاصة إنّه انتقلَ بعد رفع العقوبات عنه في بريطانيا للإقامة هناك، متخلياً عن غالبية أعماله في البلد.

ويعتمد المكتب المالي في معلوماته على المكتب الأمني، أو ما يسمى مكتب المعلومات، التابع للقصر الجمهوري، بالإضافة إلى تقديرات وزارة المالية للضرائب التي يجب فرضها على رجال الأعمال. وكان يتم تخفيض الضرائب عن كبار الاقتصاديين بنسب كبيرة منذ التسعينات مقابل أتاوات أو دفعات أو مساهمات معينة، إلّا أن مبالغ ما قبل التخفيض كانت تظل في الوثائق الرسمية ضمن الدروج، ليتم استخدامها ضد رجال الأعمال أنفسهم إذا اقتضت الحاجة. استُخدم هذا الأسلوب بحذافيره مع طريف الأخرس، ويتم استخدامه اليوم بغض النظر عن أي علاقات أو أتاوات سبق ودفعها هؤلاء، إذ يُطالب رجال الأعمال بمبالغ نقدية كبيرة عن الضرائب غير المدفوعة منذ بداية أعمالهم، أو التنازل بدلاً من ذلك عن نسبة من أعمالهم وحصصهم قد تصل إلى النصف.

المعضلة التي تواجه رجال الأعمال والتجار والصناعيين اليوم هي أنهم لا يدفعون لجهة واحدة، فهم مضطرون لدفع مبالغ كبيرة لحواجز التعبير التابعة للفرقة الرابعة المنتشرة في كل مناطق سيطرة النظام، والتي تفرض إتاوة عن نقل أي منتجات عبر المحافظات أو إلى داخل سوريا عبر المعابر الرسمية أو المعابر مع مناطق سيطرة فصائل المعارضة أو مناطق سيطرة قسد. حتى شاحنات النفط الآتية من شرق البلد، والتي يملكها آل قاطرجي المرتبطون بالفرقة الرابعة نفسها، تدفع مبالغ لحواجز التعبير تلك. كما أنّ رجال الأعمال يدفعون دورياً رشاوى لدوريات الأمن والتموين والشرطة في الأسواق والمناطق الصناعية، لتأتي المبالغ المطلوبة من المكتب المالي وتنهي عدداً كبيراً من المشاريع المتوسطة والصغيرة، إذ لم تعد تلك الأنشطة مجدية اقتصادياً مع تضخم الدفعات.

تتجاوز الإجراءات التي يتخذها المكتب المالي والاقتصادي حدود متطلبات تحصيل دفعات مالية للنظام أو للحكومة المفلسة، إذ إن المبالغ الضخمة التي تُفرض، خاصة على أصحاب المشاريع المتوسطة، تبدو كما لو أنها تهدف إلى الاستيلاء على هذا النوع من المشاريع، التي كانت طوال عقود محركاً رئيسياً للاقتصاد في البلد، والتي عملت منذ التسعينات ضمن هوامش أتاحت لها نوعاً من الاستقلالية. اليوم، يبدو المشهد كما لو أن النظام السوري يريد السيطرة على جميع مفاصل الاقتصاد مهما صغرت، ويريد التحكم المباشر بها دون أن يترك أي مجال أو هامش لأي أحد، بحيث تصب جميع الأرباح في صندوقه مباشرةً دون المرور عبر وسطاء، بل عبر موظفين.

تقود هذه الحملات المتتالية إلى انهيار وإغلاق عدد كبير من المشاريع، وهو ما يعني عملياً وضع نهاية للهوامش التي أعطيت عام 1991. اليوم، يريد بشار وأسماء الأسد، ليس فقط مقاسمة رجال الأعمال الكبار أو الاستيلاء على أعمالهم، بل الاستيلاء حتى على معامل البلاستيك والعلكة الصغيرة، ومعامل الألبان والأجبان والمنتجين الصغار للألبسة، في مشهد لا يبشّر إلّا بالأسوأ لكثير من السوريين الذين يفقدون أعمالهم، وهو ما يعني تفاقم الأزمة المعيشية الخانقة التي تضرب البلد منذ أعوام.

المصدر: الجمهورية