بحث
بحث
عملة سورية في المصرف المركزي - انترنت

“بنوك السوريين في بيوتهم” مع تراجع دور “المركزي”



أسباب عدة تقف وراء تراجع وتدهور القطاع المصرفي طوال الأعوام الماضية، فمن جهة العقوبات التي تعمقت بعد صدور قانون قيصر، إذ إن هناك بنوكاً تعاني العقوبات منذ عقود كالمصرف التجاري السوري.

وتسببت العقوبات في تقييد عمل القطاع المصرفي وانقطاع تواصله مع الخارج وعدم قدرته على مواكبة التطورات المصرفية الحاصلة في العالم إلا على نطاق ضيق جداً، بل فرضت عليه صعوبات كبيرة في تطبيق أنظمة الدفع الإلكتروني والتوجه نحو الشمول المالي، إضافة إلى معاناة المصارف السورية من القروض المتعثرة وارتفاع نسبتها في موازنتها؛ مما زاد من وطأته تراجع قيمة الليرة بصورة كبيرة.

على رغم ما سبق فإن التحدي المهم الذي يواجه القطاع المصرفي في سوريا هو تأثره وخضوعه للسياسات النقدية والتنظيمية التي انتهجها مصرف سوريا المركزي منذ عام 2011 وازدادت تقييداً خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، إذ لم يكن البنك المركزي مستقلاً في عمله، وكثيراً ما خضع لشروط وتوجيهات السلطة السياسة والأمنية في البلاد.

ومع إقبال سوريا على مرحلة جديدة تتطلع فيها إلى البناء والإعمار والنهوض الاقتصادي، يبدو القطاع المصرفي “الذي بلغت خسائره 9 مليارات دولار منذ بداية الحرب” في دائرة الاهتمام المركز.

ويؤكد متخصصون في الشأن الاقتصادي أن النهوض بالواقع الاقتصادي في سوريا لن يتم من دون معالجة حال التراجع المصرفي العام، والقيام بعملية إعادة هيكلة كاملة للمصارف العاملة في البلاد “الخاصة منها والعامة”، ولكن لا بد أولاً من العمل فوراً على إعادة هيكلة المصرف المركزي باعتباره صانع السياسة النقدية والضامن لعمل القطاع المصرفي، إضافة إلى إعادة النظر في التشريعات الحاكمة لعمله، بما يعزز استقلاليته، ويمكنه من تطوير أدواته النقدية، وتكريس صدقيته وضمان الشفافية في عملية الإشراف على هيكلة المصارف العاملة في البلاد ومراقبة عملها.

وينصح المتخصصون كذلك بضرورة إلغاء عهد كامل من السياسات التي كانت متبعة في البلاد منذ عام 2019 والتي ركزت على تثبيت سعر الليرة السورية كهدف للسياسة النقدية على حساب توقف عجلة الإنتاج وتراجع الاستثمارات إلى الحدود الدنيا، وهجرة رجال الأعمال من تجار وصناعيين وحتى اليد العاملة وأصحاب الكفاءات وإغلاق كثير من المصانع والشركات.

ومع تسمية السيد عبدالقادر حصرية حاكماً جديداً لمصرف سوريا المركزي تزامناً مع الإعلان عن حكومة تكنوقراط، يأمل المتخصصون في أن تشهد سوريا نقلة حقيقية في سياساتها النقدية والمصرفية والاقتصادية، وأن يتمكن المصرف المركزي من استعادة زمام المبادرة، ويعود القطاع المصرفي إلى دوره في تمويل الاقتصاد السوري والامتثال لسياسات نقدية متطورة وملبية لحاجات البلاد بينما تبدأ مرحلة جديدة.

“المركزي” حافظ على سعر هش للعملة

ورأى المتخصص في المصارف، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق” الدكتور عابد فضلية أن “المطلوب من مصرف سوريا المركزي خلال المرحلة المقبلة، هو نفسه ما كان مطلوباً منه منذ تأسيسه عام 1953 وافتتاحه رسمياً في شهر آب 1956، وحتى الآن، فإذا كان المركزي قد قام خلال المرحلة الماضية، بمهماته حسب التشريعات التي أسس بموجبها، وتلك التي صدرت بعد ذلك لبلورة هذه المهمات، لا سيما قانون النقد الأساس رقم 23، لعام 2002 وتعديلاته اللاحقة”.

واستدرك “لكن للأسف فإن الجواب لا، فهو لم يقم بدوره كما يجب”، موضحاً أن “من مهماته أيضاً، وإلى جانب إصدار الأوراق النقدية، والمهمات الأخرى ذات الصلة بالقطاع المالي ومؤسساته، والمحافظة على القوة الشرائية للنقد السوري وليس وحسب على قيمته الرقمية الاسمية.

ومن أجل توسيع إمكانات استخدام الموارد والطاقات المادية وغير المادية، والعمل على إنماء الدخل القومي، ولذا فإننا حتى الآن لم نلمس من نتائج عمل وجهود البنك المركزي، سوى المحافظة المتذبذبة الهشة على سعر القطع الأجنبي بالليرة السورية، بغض النظر عن قوتها الشرائية، وبغض النظر أيضاً عن الاهتمام بالموارد والطاقات، ومن دون اتخاذ أي إجراء من شأنه تحسين الدخل القومي”.

وأضاف فضلية “نلمس ربما العكس في ما لو قيمنا مفعولها الذي بدأ منذ أسابيع عدة بخصوص التعاملات المصرفية وسقوف السحوبات، التي نسفت إرادة العملاء بالإيداع، والتي بالوقت ذاته تعوق استخدام الموارد وتضر بالدخل القومي، خلافاً للمادة 1 من قانون النقد الأساس”.

فضلية أشار إلى أن المطلوب من المركزي في المرحلة المقبلة، تزامناً مع حكومة الــ(تكنوقراط)، هو “لفتة جوهرية” تشير إلى أهمية وضرورة وحتمية أن توضع وتنفذ السياسات النقدية والمالية بالتنسيق والترابط والتشابك مع خطط وبرامج الجهات الحكومية التنفيذية.

وذلك لتحقيق أهداف وواجبات ومهمات المركزي التي يجب أن تكون أكثر شمولاً واتساعاً وترابطاً مع تحقيق أهداف الاقتصاد الكلي، من جهة استغلال الموارد، وزيادة نسب نمو الدخل القومي والناتج المحلي الإجمالي، مما يعني بالوقت ذاته، تسخير السياسة النقدية لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، المادية وغير المادية، لافتاً إلى ضرورة تشكيل وصياغة السياسات الاقتصادية المادية، بما ينسجم مع السياستين والوضعين النقدي والمالي.

 التضخم المحدود

الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق انتقد سياسة “حبس الكاش” وتقييد السيولة التي ينتهجها المصرف المركزي السوري منذ أعوام بحجة الحفاظ على سعر صرف الليرة.

وأشار إلى أن السيولة في الاقتصاد هي بمثابة الدم في الأوردة والشرايين، لذا فإن تقصد حبسها والتقليل من سرعة دورانها في الاقتصاد، هو عموماً “وفي حال كان حكومياً مقصوداً” إجراء خاطئ مثبط للطلب بجميع وجوهه وأنواعه، ومجمد لجميع المفاصل والأنشطة الاقتصادية الإنتاجية والاستثمارية، السلعية والخدمية، ما لم تكن قرارات حبس السيولة هذه مبررة وواضحة الأهداف.

وما لم تكن بالوقت ذاته موقتة، وفي إطار زمني محدد ومحسوب، بحيث تلجم مسببات وعوامل التضخم من جهة، ومن دون أن تتسبب بالعطالة الإنتاجية المادية من جهة، ولا بالبطالة الاجتماعية من الجهة الأخرى، وهذا أمر ليس من السهل تحقيقه، إلا إذا تم في إطار التعليمات والقرارات والبرامج والخطط والإستراتيجيات الاقتصادية الكلية العليا، وضمن رؤى واضحة لمفاصل الأنشطة السلعية والخدمية على المستوى الجزئي.

 سعر الدولار في طريقه إلى الارتفاع أمام الليرة

وفي شأن توقعات سعر الصرف، قال فضلية إن سعر الصرف في سوريا يتعلق بقيمة الليرة السورية، وقيمة الليرة هذه لا يمكن التكهن بها بسهولة، كونها محصلة لتفاعل كثير من العوامل الاقتصادية، السلعية والنقدية والمالية والتجارية.

حيث تتأثر بشدة بالعوامل النفسية والسياسية وعوامل أخرى أهمها الأمن والاستقرار، لذا فإن تغير أو تدهور واحد أو أكثر من هذه العوامل يؤثر في سعر صرف الليرة، ويضعف من فاعلية إجراءات المصرف المركزي لو تدخل وحده، لأن مهمة الحفاظ على قيمة الليرة تقع أيضاً على كاهل جميع الجهات الاقتصادية الحكومية وغير الحكومية في قطاع المال والسياسات الإنتاجية والتجارية والجمركية”.

وأضاف “على رغم ذلك فقد اهتم مصرف سوريا المركزي بسياساته النقدية والمالية نحو قيمة الليرة بإجراءات وخطوات أحادية الجانب فركز بذلك وما زال حتى الآن على العامل النقدي وحسب، وتجاهل الإجراءات الأخرى غير النقدية، خصوصاً الإنتاجية والسلعية والتجارة الخارجية، ومن ثم لا يمكن لأحد أن يتوقع السعر المستقبلي للصرف، كونه محصلة لكثير من العوامل المعقدة والمتشابكة”.

وأردف فضلية بالقول: “ما جرى خلال الفترة الماضية عندما انخفض سعر الدولار بنسبة 50 في المئة، قبل أن يستقر عند 30  في المئة عما كان عليه السعر قبل الثامن من كانون الأول 2024، وهذا الانخفاض ليس سببه ارتفاع قيمة الليرة السورية، بل انخفاض سعر الدولار أمام الليرة، وذلك كان له أسباب وتفسيرات عدة، أهمها الانعطاف السياسي التاريخي، وحال التفاؤل المادية والمعنوية التي سادت مع وصول أحمد الشرع إلى سدة السلطة”.

وأوضح أستاذ الاقتصاد أنه من الأسباب المباشرة لانخفاض سعر الدولار هو قوى العرض والطلب، فالطلب على الليرة الذي كان سببه الأساس هو التفاؤل ترجم على الأرض بعرض أو ببيع مزيد من الدولار في السوق النظامية الرسمية والسوق الموازية، للحصول على الليرة، التي هي عملة الاستثمار وتطوير الإنتاج والتوسع فيه.

مما تحول إلى تهافت حاملي الدولار لبيع ما لديهم، متأثرين أيضاً بما يسمى اقتصادياً “سلوك التقليد” أو “سلوك غيرة ” أضف إلى ذلك أيضاً عودة عشرات آلاف من السوريين من الخارج بما يحملونه من عملات أجنبية، وزادت التحويلات إلى الداخل السوري من قبل رجال الأعمال وأقرباء العائلات المقيمة.

لذا فإن تفاعل كل الأسباب أعلاه، هي التي أدت إلى انخفاض سعر الدولار، ولا نقول أدت إلى ارتفاع قيمة الليرة، باعتبار أن (قيمة الليرة هي من قوة الاقتصاد)، وهذا ما كان ممكناً أن يحصل خلال بضعة أسابيع، بل الذي حصل هو التحرك والهمة لمسك الليرة بنية الاستثمار وتوسيع الإنتاج، أما الانخفاض في مستوى الأسعار فهو أصلاً بسبب قلة الطلب مقارنة مع حجم العرض، بما في ذلك الدولار، الذي هو بالمحصلة سلعة، تخضع لقانون العرض والطلب، ولو أنه سلعة خاصة، ومقياس وحامل للقيمة.

ترميم الاحتياط النقدي

فضلية أوضح أن العقوبات وأحكام الحصار الاقتصادي المفروض على سوريا أميركياً وأوروبياً، تؤثر سلباً في الاقتصاد السوري بصورة عامة، وفي المصرف المركزي بصورة خاصة، نظراً إلى أهمية التعاملات والتحويلات المالية الخارجية – الخارجية والخارجية – الداخلية، وبالعكس، في تسوية التعاملات والتعاملات التجارية والاستثمارية، إلا أن هذه العقوبات كانت وما زالت على أرض الواقع غير جدية بالمقارنة مع نصوصها الكتابية.

المصدر: اندبندنت عربية