بحث
بحث
سوق الخجا في دمشق - سانا

أنحمي صناعتنا أم نتركها تحت رحمة المنافسة؟


أنحمي صناعتنا المحلية من منافسة المستوردات المماثلة؟ أم نتركها تحت رحمة تلك المنافسة، كي تتطور؟ جدل قديم، لكنه تمدد من أوساط الصناعيين والتجار والاقتصاديين، ليجتاح أوساط عامة السوريين، بعيد سقوط نظام الأسد، قبل نحو عام.

وكان ذلك نتيجة فتح السوق على مصراعيه، أمام المستوردات الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى حالة أشبه بالإغراق ببضائع تركية بصورة خاصة، تسببت بإغلاق العديد من المصانع والورش الصناعية، وخلّفت أعداداً كبيرة من العاطلين عن العمل. وذلك قبل أن تتراجع سلطات العهد الجديد عن سياسات فتح السوق بالكامل، لتحدد رسوماً جمركية على المستوردات. لكن الإجراءات الحمائية المعتمدة، لم تكن كافية في نظر الكثيرين.

قبل أيام، بث حرفيو وصناعيو الحقائب في سوق الخجا بدمشق، شكواهم من انهيار قدراتهم على منافسة البضائع المستوردة. ووفق زعمهم، فإن المُنتِج المحلي يتحمّل ضرائب وتكاليف إنتاج مرتفعة، مما يجعله عاجزاً عن مجاراة الأسعار المنخفضة للبضائع المستوردة.

وقد أثارت هذه الشكوى، الجدل مجدداً، بين داعٍ لحماية الصناعة المحلية، والعاملين فيها، وصولاً إلى الحديث عن “مؤامرة” تستهدف إفقار السوريين مستقبلاً، وتحويلهم إلى سوق مستهلكة لبضائع دول “حليفة” للعهد الجديد.

وبين داعين لنهضةٍ للصناعة المحلية تقوم على الابتكار واعتماد الطاقة الشمسية وتحديث أساليب الإدارة والعمل، بدل الاتكال على حمائية تاريخية للمُنتَج السوري، يعود تاريخها إلى بدايات عهد حكم البعث مطلع الستينات، بصورة خلقت طبقة صناعية اعتاشت على الاحتكار وإغلاق السوق، وفرضت على المستهلك السوري منتجاتها منخفضة الجودة ومرتفعة السعر، من دون أن تتمكن من تطوير صناعاتها بصورة قادرة على المنافسة، إلا في حالات محدودة للغاية.

ويبقى هذا الجدل معقّداً، إذ تجد كبار الاقتصاديين منخرطين فيه، بوجهات نظر متعاكسة. ولتفكيك مفردات هذا الجدل، لنركّز على أبرز المعادلات التي يقول بها المطالبون بحماية الصناعة المحلية عبر رسوم مرتفعة على المستوردات.

إذ يقول هؤلاء، إن الحمائية ضرورية للحفاظ على القطاع الصناعي المحلي، وإنتاجيته، وتجنب انهياره أمام المنافسة غير العادلة مع مستوردات مدعومة من دول منتجة أقوى بمرات من سوريا على صعيد الصناعات التصديرية. والأهم، حماية العمال في القطاع الصناعي المحلي من خسارة فرص عملهم. وكذلك توفير إيرادات لخزينة الدولة من الرسوم على المستوردات.

والحد من الطلب على الدولار، والذي يؤدي لخفض قيمة العملة السورية، جراء الحاجة للاستيراد. وأيضاً، الحد من عجز الميزان التجاري.

لكن، هل يعني ذلك أن الحمائية توفّر مكاسب للاقتصاد ككل، على المدى الطويل؟ هل تؤدي إلى رفع مستوى معيشة السوريين؟ أم العكس؟ بعض الإجابات الملفتة نجدها في مادة بحثية نشرها معهد “كاتو” الأميركي، في نيسان 2024، يبحث في السؤال التالي: إلى أي مدى تفيد الرسوم الجمركية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة منها؟

ورغم أن البحث يتعلّق بالصناعة الأميركية، لكنه يقدّم تحليلاً بحثياً شاملاً لجدوى الرسوم الجمركية، بصورة عامة. أولى النقاط التي يعالجها البحث: هل يمكن لرسم جمركي (ضريبة) أن يحقق مكاسب بعيدة المدى للاقتصاد ويرفع من مستوى معيشة الناس؟ فذلك أمر يتنافى مع قوانين العرض والطلب، نظراً لأن أي ضريبة تفرض تكاليف اقتصادية، تخفّض مستوى معيشة السكان.

وللإجابة على السؤال أعلاه، تستعرض المادة عدداً من الأبحاث النظرية والتجريبية حول من يدفع ومن يستفيد من الرسوم الجمركية، لتخلص إلى أن تلك الرسوم تفشل مراراً وتكراراً في زيادة الإنتاجية، أو خلق المزيد من فرص العمل، أو تعزيز الشركات الناجحة والمبتكرة.

وعلى النقيض من ذلك، هي تؤدي إلى رفع الأسعار، وتقليص كفاءة النشاط الاقتصادي، وتشجيع ردود الفعل الانتقامية الأجنبية (رسوم مضادة). وكنتيجة عامة، تخفض الرسوم الجمركية القدرة الشرائية للسكان، وتضرّ بصورة خاصة بالأسر الأكثر فقراً، نظراً لأن إنفاقها على السلع المتداولة كنسبة من دخلها، أعلى من الأسر الأكثر ثراء.

وبعيداً عن الأثر الاجتماعي السلبي، فإن الرسوم الجمركية، بالمجمل، تؤدي إلى خفض السكان لإنفاقهم، فيقلّ الطلب، مما يؤدي إلى لجم النشاط الاقتصادي وتقليصه. ووفق إحدى الأرقام الخاصة بالاقتصاد الأميركي، فإن فرض رسوم جمركية بنسبة 10%، تؤدي إلى تراجع مستوى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.7%، جراء تقليل الحوافز للعمل والاستثمار.

تقدّم خلاصات المادة أعلاه، بعضاً من أهم المعادلات المتعلّقة بالنتائج الفعلية للرسوم الجمركية الحمائية. وهي نتائج يمكن قراءتها في التجربة السورية التي عرفت الحمائية على مدى نصف قرن.

وقد يعترض الكثيرون على استشهادنا ببحث ينشره معهد “كاتو” المعروف باتجاهاته الليبرالية الحادة، لكن يبقى أن نقاش الأفكار والحجج، هو الأجدى من نقاش الخلفيات الأيديولوجية للقائلين بهذه الأفكار.

لا يعني الطرح السابق، الدعوة لفتح السوق أمام المستوردات، على مصراعيه، كما حدث بعيد سقوط الأسد. بل هي دعوة لدراسة سبل الانفتاح التدريجي، وعدم العودة إلى الإغلاق والقيود الشاملة على الاستيراد.

انفتاح تحتاجه صناعتنا المحلية كي تمتلك الدافع للتجديد والابتكار والرهان على الجودة لا على الحماية. انفتاح يوازن بين “جيب” المستهلك السوري، وبين استبدال الحمائية الكلية بأخرى غير مباشرة، كخفض الضرائب على المواد الأولية، والدفع نحو تجارب دمج للشركات والمؤسسات الصناعية الخاصة، بدل مبدأ الورش الصغيرة والعائلية، ودعم التحوّل نحو الطاقة المتجددة والتطوير التقني، عبر القروض.

المصدر: جريدة المدن اللبنانية