بحث
بحث
الطبيبة أماني بلور ـ إنترنت

أماني بلور: الشاهِدة التي أربكت نظام الأسد

استهداف النظام لبلور ليس عبثياً، فقضية استخدام الأسلحة الكيماوية واحدة من آخر الاتهامات التي مازال النظام يواجهها مع تراجع الاهتمام بكثير من القضايا الأخرى في البلاد مثل قضايا المعتقلين والحريات المتدنية في البلاد وحتى تداول السلطة

قبل عامين فقط كان النظام السوري غير مهتم كثيراً بتقديم رواية منطقية ينفي فيها استعماله للأسلحة الكيماوية عموماً، وفي مدينة دوما العام 2018 خصوصاً، حيث كان الرد الرسمي من قبل وزير الخارجية الحالي، ونائب وزير الخارجية حينها، فيصل المقداد، في فيلم بثه التلفزيون الرسمي بعنوان “خفايا الكيماوي”، مقتصراً على القول أن الغرب استخدم الأسلحة النووية في مقاربة عجيبة لا تسخف فقط من فكرة استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً بمقارنتها بشيء يعتبر أفظع نظرياً، بل تعمم أفكاراً وهمية بأن النظام لا يمكن أن يمتلك أسلحة دمار شامل، ما يجعل المسؤول عن ضحايا الهجمات الكيماوية في البلاد هي الدول التي تمتلك تلك النوعية من الأسلحة والشريكة في المؤامرة الكونية على “الدولة السورية” البريئة.

وفي الفيلم الذي عرضته قناة “الإخبارية السورية” قبل أيام بعنوان “من النفق إلى النور”  لا يتم التخلي عن تلك الفكرة كلياً، حيث يحافظ الخطاب الرسمي على فكرة براءة النظام الضرورية عند مخاطبة الجمهور المحلي لتبرير فكرة المؤامرة المرتبطة بدورها بشرعية النظام وبناء منطق يقوم على الحق والباطل لأخذ موقف سياسي منه. وفي المقابل يتم تمييع الشهادات الآتية من المعسكر المعارض والتي أثبتت وقوع الهجمات الكيماوية وكانت حاضرة في المحافل الدولية لتقديم شهادات حاسمة ضد النظام في هذا الصدد، وعلى رأسها الدكتورة أماني بلور التي شاركت في جلسة عقدها مجلس الأمن في 29 أذار/مارس الماضي للحديث عن الوضع الإنساني في سوريا، بعد جلستين للمجلس ناقش خلالهما الوضع السياسي في سوريا، وملف الأسلحة الكيماوية.

ونالت بلور شهرة واسعة بعملها كطبيبة في دوما المحاصرة طوال سنوات. ونالت جائزة راوول وولنبيرغ للعام 2020 بفضل “شجاعتها وجرأتها وحرصها على إنقاذ حياة مئات الأشخاص أثناء الحرب السورية”، كما جاء في بيان مجلس أوروبا، وكانت بطلة فيلم وثائقي بعنوان “الكهف” (الفائز بجائزة “إيمي” 2020) قدمه المخرج السوري فراس فياض حول مشفى الكهف الذي بقيت تعمل فيها حتى نيسان/أبريل 2018، عندما انتهى حصار النظام السوري للمنطقة، دام خمسة أعوام كاملة، وكانت بلور واحدة ممن ركبوا الباصات الخضراء الشهيرة نحو إدلب قبل أن تحصل على اللجوء في تركيا.

استهداف بلور لم يقتصر على الفيلم الوثائقي الرسمي، بل امتد أيضاً للمستشارة الإعلامية في رئاسة الجمهورية بثينة شعبان، التي كتبت مقالاً قبل أيام بعنوان “الحرب الأخطر” خصصته للحديث عن “الحرب الإعلامية” التي يهوى النظام السوري الحديث عنها مؤخراً لتبرير كافة ما يحصل من مشاكل اقتصادية وخدمية في الداخل السوري بوصفها “مؤامرة مفبركة”. وفي المقال كان لافتاً ذكر شعبان لفيلم “الكهف” شخصياً بالإضافة لشخصيات بارزة مثل الطفل عمران الذي أصيب إثر قصف استهداف منزله في حي القاطرجي بحلب في آب/أغسطس العام 2016، وقتل إثر ذلك أخوه الصغير علي، والتقطت كاميرا “مركز حلب الإعلامي” صوراً له وهو ملطخ بالغبار والدماء، وسط حالة من الصمت والذهول، لتنتشر صورته على نطاق عالمي وتصبح رمزاً أيقونياً للحرب السورية.

ومثلما تلقف الإعلام الرسمي عائلة الطفل عمران التي ظهرت في التلفزيون الرسمي بعد سيطرة النظام على حلب الشرقية العام 2016، فإن فيلم “الإخبارية” الأخير أظهر والد بلور الذي تبرأ من ابنته أمام الكاميرا ووصفها بالخائنة. وبغض النظر إن كان الرجل أدلى بتصريحاته طوعاً أم قسراً تحت التهديد مثلما قدّر ناشطون معارضون، فإنه تحدث بمنطق النظام الأبوي السائد في البلاد حيث كرر حديثه عن أنه ربى ابنته وأدخلها كلية الطب ولم يستفد منها شيئاً، في تكرار لحديث النظام نفسه عن اللاجئين والمعارضين السوريين، الذين يذكرهم الخطاب الرسمي دبلوماسياً وإعلامياً منذ عشر سنوات بكافة الأمور التي وفرها لهم الرئيس بشار الأسد بوصفه “الأب القائد للدولة والمجتمع” من طبابة وتعليم مجانيين من دون أن يحصل منهم سوى على “نكران الجميل” ما يجعلهم خونة من منظور أخلاقي مشوه.

وبالطبع فإن استهداف النظام لبلور ليس عبثياً، فقضية استخدام الأسلحة الكيماوية واحدة من آخر الاتهامات التي مازال النظام يواجهها مع تراجع الاهتمام بكثير من القضايا الأخرى في البلاد مثل قضايا المعتقلين والحريات المتدنية في البلاد وحتى تداول السلطة. وتشكل الإنتاجات الدعائية التي تبثها “الإخبارية” بانتظام حول الموضوع، تتويجاً لجهود ممنهجة قام بها النظام وحليفته روسيا طوال سنوات، لطمس وإخفاء الأدلة الخاصة بالمجازر الكيماوية في البلاد، والتي كانت بارزة في دوما تحديداً أكثر من أي مكان آخر ربما.

ففيما كانت روسيا حاسمة في خطابها الدبلوماسي، في نفيها لاستعمال السلاح الكيماوي في دوما، إلا أن الكولونيل الروسي ألكسندر زورين، زار مسرح الجريمة بعد ثلاثة أيام على وقوعها، بمعزل عن أي جهة دولية محايدة متخصصة في التفتيش عن الأسلحة الكيماوية. وتم منع منظمة “حظر الأسلحة الكيماوية” من دخول المدينة بحجة “الظروف الأمنية”، بغرض تشويه الأدلة، حسبما تكرر جهات مستقلة وناشطون معارضون، ثم اعتمدت الرواية الرسمية، التي روجها النظام وموسكو معاً إلى شهادات زائفة، قدمها أشخاص من دوما تم الضغط عليهم وتجنيدهم لهذه الغاية، حسب تقارير ذات صلة.

وهنا كررت “الإخبارية” الاستعانة بشهود ظهروا في كثير من اللقاءات الإعلامية السابقة على الشاشات السورية والروسية، وبرز مسعفان اثنان قدما “شهادات” جديدة لم تكن مفصلة في توجيه اتهامات لجهات معينة بـ”فبركة الكيماوي” مثلما كان عليه الحال في السابق، بل كان الحديث شديد العمومية حول الإرهابيين، مع التركيز بشكل خاص على الدكتورة بلور بشكل شخصي، من أجل ضرب مصداقيتها وجعل شهادتها القيمة حول المجزرة مشكوكاً فيها على أقل تقدير، وهو أسلوب كلاسيكي في بناء الدعاية يقوم على تشويه سمعة الشهود من أجل خلق سرديات بديلة تجعل المتابع أمام خيار التصديق من عدمه، والذي يتم دفعه نحو اتجاه معين عن طريق استمالات أخرى قد لا تكون مرتبطة بالشهود المستهدفين أنفسهم، وهو ما كان الفيلم يعمل عليه عموماً.

ولم تتوقف الهجمة على بلور، عند الفيلم، بل تجاوزته إلى السوشال ميديا الموالية للنظام، حيث كثفت الصفحات الموالية حديثها عن بلور بوصفها خائنة وعميلة باعت شرفها وعائلتها ووالدها من أجل “إرضاء سيدها الأميركي” في إشارة لمشاركتها في جلسة مجلس الأمن بدعوة من وزارة الخارجية الأميركية، إلى جانب اتهامات مماثلة يتم تعميمها على كافة المعارضين واللاجئين خارج سوريا. وبالطبع فإن ذلك يحقق هدفين، الأول هو ضرب المصداقية والثاني تجريد أي شخصية سورية من الأهلية اللازمة لمقارعة النظام وتحديه، وخلق وهم بأن سوريا خالية من الشخصيات الجديرة بقيادة البلاد، على كافة المستويات، ما يعزز حديث النظام عن شرعيته كخيار وحيد أمام السوريين، ويكرر بالتالي مقولة “الأسد للأبد” التي يسمعها السوريون منذ خمسة عقود.

وإن كان الحديث عن جرائم الحرب في سوريا، يحيل إلى أزمة توثيقها، حيث عمد النظام وحلفاؤه لملاحقة واستهداف الإعلاميين بشكل ممنهج، ليقول النظام بعد ذلك أن التقارير من الناشطين الإعلاميين الموجودين خارج سوريا فاقدة للمصداقية، لعدم دراستها الواقع على الأرض، فإن شهادة بلور عن مجزرة الكيماوي في دوما العام 2018 والتي راح ضحيتها أكثر من 70 شخصاً وأتت بعد تسليم النظام السوري لترسانته الكيماوية في مقابل عدم تنفيذ ضربة عسكرية ضده، العام 2013، تصبح جوهرية لكونها تأتي من شخصية ذات مصداقية كانت حاضرة في مكان حدوث الجريمة، ويصبح تفنيدها بهذه الطريقة الوضيعة هو الحل الوحيد أمام النظام لخلق حالة من عدم اليقين بشأن هذه القضية، ما يعني عدم القدرة على ملاحقة رموزه لمحاكمتهم.

وحتى مع هذا التضييق الرسمي، فإن النظام يواجه أخطاراً من نوع آخر من الخطر يتمثل في الأدلة الرقمية التي يمكن الاستعانة بها في المحاكم الدولية، لإثبات وقوع انتهاكات ضد الإنسانية في البلاد، فيما أثبتت لجان تحقيق مستقلة أو تابعة للأمم المتحدة ووسائل إعلام مثل “نيويورك تايمز”،  مرات عديدة، وعبر الاعتماد على قوة التكنولوجيا، استخدام النظام للأسلحة الكيماوية في سوريا، بموازاة تحذير وزارة الخارجية الأميركية ومنظمات مثل منظمة العفو الدولية “أمنستي” و”هيومان رايتس ووتش” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وغيرها، من أن النظام قد يستخدم تلك الأسلحة مجدداً، مع امتلاكه لمخزونات سامة سرية، لم يقم بإتلافها الرغم من الاتفاق الأميركي مع روسيا على تدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية لدى النظام العام 2013.

المصدر: صحيفة المدن