رشاوى ومحسوبيات في ثكنة “الدريج” الخاصة بتجميع مجندي الاحتياط.


صوت العاصمة – خاص
تُعتبر ثكنة “الدريج” الواقعة في الشمال الغربي لمدينة دمشق من أكبر الثكنات التي يتم فيها تجميع المجندين المسحوبين للخدمة الاحتياطية، والذين تم اعتقالهم عبر حملات التجنيد الإجباري التي تقوم بها أجهزة المخابرات بالتنسيق مع الشرطة العسكرية من أغلب المحافظات الخاضعة لسيطرة النظام السوري.
حيث يخضع المجندين إجبارياً لعمليات تجميع، إضافةً لتدريبات يتم تلقيها على مختلف أنواع الأسلحة قبل عملية الفرز إلى الجبهات الساخنة
نور، شاب دمشقي في الثلاثين من العمر، اعتقل من حاجز منطقة “المجتهد” وسط العاصمة، بعد ورود اسمه في قوائم الاحتياط الصادرة مؤخراً، والتي ضمت أكثر من 45 الف اسم جديد لسوقهم للخدمة في جيش النظام.
في حوار خاص لـ “صوت العاصمة” مع الشاب نور، يروي فيه تفاصيل اعتقاله وسحبه للخدمة في جيش النظام، وما رآه في ثكنة الدريج بعد وصوله إليها
يقول نور: اعتقلتُ منذ ما يقارب الشهر على حاجز المجتهد بعد إجراء الفيش الأمني، حيث تم نقلي إلى مقر الشرطة العسكرية في حي القابون، وسُمح لي بالاتصال بأهلي لإبلاغهم بأنني ذاهب “للدفاع عن الوطن” وليجلبوا لي بعض الحاجيات الشخصية التي سآخذها معي لمكان الفرز.
بقيت ومن معي يومين في الشرطة العسكرية بحكم المعتقلين، ثم تم نقلنا بواسطة باصات إلى ثكنة الدريج، حيث بدأت رحلة المعاناة منذ لحظة وصولنا إلى هناك، فليس هناك مكان يتسع لآلاف الشباب الذين تم سحبهم مثلي من الشوارع والمنازل، حيث كان البعض ينام في المهاجع الخاصة للمجندين، بينما ينام الكثير في الشوارع وعلى الأرصفة داخل الثكنة العسكرية، التي حولتها مخابرات النظام إلى معتقل كبير يتعرض فيه الشباب لشتى أنواع الذل والإهانة من ضباط الجيش، خاصة أولئك الذين تخلفوا عن الالتحاق، وحاولوا الهروب إلى أن تم اعتقالهم، فهم يعتبرون بحكم الخونة الذين تخلفوا عن الدفاع عن وطنهم الذي يضربه الإرهاب، حسب قول الضباط.
وأما عن الرشاوى، فحدث ولا حرج، إذ أنه لا يمكنك التحرك بدون دفع النقود، لتضمن شيئاً من الكرامة داخل هذا المعتقل الكبير، فمن الطعام إلى الحلاقة، وصولاً للحصول على بدلة نظيفة غير ممزقة، فيتم دفع آلاف الليرات السورية في سبيل الحصول على معاملة تليق بالبشر.
وفي اليوم الثالث من الوصول إلى الثكنة تم تجميعنا وفرزنا إلى مجموعات، وسوقنا كالقطعان لتلقي التدريب السريع على السلاح والرماية بالذخيرة الحية، لمدة لم تتجاوز 48 ساعة، ليتم فرزنا بعدها إلى جبهات القتال مع المعارضة المسلحة وتنظيم داعش..
وحول عمليات الفرز والإجازات، يتحدث نور عن أهوال رآها في تلك الأيام، وعن المبالغ الطائلة التي تصل إلى 150 الف ليرة سورية يتم دفعها للحصول على إجازة ليوم واحد يودع فيها المجند أهله وأولاده، فأغلب الذين تم سحبهم قاربوا الثلاثين من العمر، متزوجين ولديهم أطفال.
في اليوم الرابع من الالتحاق في الدريج، استطاع أهلي الوصول إلى أحد الضباط، ودفع رشوة قدرها 100 ألف ليرة سورية للحصول على إجازة مدتها 24 ساعة، استطعت فيها الذهاب إلى منزلي للحديث مع أهلي عن حل يقيني الزج في الجبهات والموت برصاص أبناء بلدي.
وفي أيام وجودي في الدريج، التقيت بمئات الشبان من مختلف المحافظات والطوائف، ولكن بالطبع لكل منهم معاملة خاصة، فلا يعامل ابن الطائفة العلوية أو السني الذي يملك الأموال، كسائر العناصر، حيث أنني شهدت وسمعت عن عمليات رشاوى وصلت إلى مليوني ليرة سورية مقابل الفرز إلى ثكنات عسكرية لا علاقة لها بالجبهات، او إبقاء العنصر في المدينة التي يقطنها على الحواجز العسكرية، وأما من لا مال لديه ولا وساطة، فيتم زجه على الجبهات ليعود قتيلاً بعد أيام.
وخلال الفترة التي قضيتها في الثكنة، تم إرسال دفعات كبيرة من الشباب إلى مدينة حلب، وإلى جبهات الغوطة الشرقية وخان الشيح في ريف دمشق، مع قدوم العشرات يومياً ممن تم اعتقالهم خلال الحملة التي تشنها القوى الأمنية.
وعبر أحد الضباط المقيمين في حيينا، وخلال إجازتي التي مدتها 24 ساعة، استطعنا أن نجد حلاً لي يقيني القتال والمواجهة المباشرة في المعارك، حيث اتفقنا على دفع مبلغ مليون ونصف ليرة سورية، مقابل فرزي إلى منزل أحد كبار الضباط في الجيش، والعمل كحاجب عنده، فالرمد أفضل من العمى، ولا حيلة لي ولا سبيل للهروب والانشقاق الآن، لأنني على يقين أنه سيتم اعتقال أهلي واخوتي في حال هروبي من تلك الخدمة..
وتشهد العاصمة دمشق خاصة ومدن سوريا الخاضعة لسيطرة النظام عموماً، عمليات كبيرة ومستمرة منذ مطلع العام الجاري، تستهدف الشبان عبر مداهمات تطال المنازل والمحال التجارية وحتى المارة في الشوارع، حيث تم تسجيل أكثر من 130 الف مطلوب للنظام في الثمانية أشهر الماضية، و سحب أكثر من 5000 شاب، قُتل منهم المئات في معارك مع المعارضة المسلحة بعد أيام من سحبهم.