بحث
بحث
احتفالات السوريين في ساحة الأمويين بعد سقوط نظام بشار الأسد - انترنت

“وين كنت من 14 سنة؟”

لا يكاد يخلو نقاش سياسي – سوري اليوم، من السؤال العظيم: “وين كنت من 14 سنة؟”.

يطفو هذا السؤال كاستجابة تلقائية لأي نقد يطال الحكومة الجديدة، بغضّ النظر عن مدى وجاهة النقد أو هوّية المنتقد. لا يهمّ إن كان الكلام محقّاً أو يستند إلى حقائق، المهمّ هو طرح سؤال المرحلة، السؤال الذي يُراد به إخماد الجدل لا فتحه.

السؤالُ السحري 

“وين كنت من 14 سنة؟”، السؤال السحري، ذاك الذي يُصيب من يسمعه برجفة “أخلاقية”، ويتركه في حالة من الصدمة الوجودية، السؤال الذي بات عنوان المرحلة في سوريا، وكأنه تعويذة سرية تُلقى لإسكات أي نقاش قبل أن يبدأ. إنه ليس مجرد استفهام بريء، بل أقرب إلى “كلمة السرّ” التي تعني ببساطة: “إخرس!”.

لا ينتظر صاحبه إجابة، ولا يرغب في سماع رأي، بل يطمح فقط إلى انتزاع استسلامك الكامل، إلى أن تُومئ برأسك وتقول بأسى: “نعم، نعم، أنت الثائر الأوحد، حارس الثورة الأخير، أما البقية فمجرّد هُواة لم يضحّوا بما يكفي!”.

“وين كنت من 14 سنة؟” ليس سؤالاً عن موقعك الجغرافي وقتها، ولا عن طموحاتك، ولا حتى عمّا إذا كنت حياً أو ميتاً حينها. إنه مجرّد عبارة جاهزة، مصمّمة خصوصاً لتقليص أي تجربة لا تتوافق مع “المعيار الثوري”، الذي يحدّده السائل بنفسه.

سؤال لا يبحث عن إجابة، بل عن إلغاء صوتك، عن تلميح خفيّ بأن تضحياتك لم تكن كافية، وأنك ببساطة لا تملك الحقّ في إبداء رأيك الآن بعد سقوط النظام.

“وين كنت من 14 سنة؟”، جملة اعتراضية تتسلّل إلى أي نقاش سياسي اليوم في سوريا، خاصّة إن حمل نفَساً نقدياً للحكومة الجديدة. يُطرَح السؤال على الجميع من دون تمييز: الأفراد، الصحافيين، المعارضين القدامى، الناشطين، المعتقلين، المؤسّسات الإعلامية، وحتى من قتلهم نظام الأسد نفسه!

 “وين كنت؟” ليست استفهاماً، بل حُكم ضمني بأن تضحيتك لم تكن كافية، وأنك لا تستحقّ امتياز إبداء رأيك.

قمع مبطّن

ينتمي هذا السؤال إلى فصيلة من العبارات التي ازدهرت مع سقوط النظام، مثل: “من يحرّر يقرّر”، و”كنتوا تسترجوا تحكوا هيك أيام الأسد لما كان داعس على رؤوسكم”، والقائمة تطول. لا جدوى من شرح الفروقات بين هذه العبارات، فهي في جوهرها تحمل المعنى نفسه، أو بالأحرى، النيّة ذاتها: قمع مبطّن، وطريقة لإسكات المعارضة الجديدة، وخلق حالة شبيهة بتلك التي كانت سائدة في عهد نظام الأسد، ولكن بوجوه مختلفة.

لم يعد مستغرباً أن يُوجَّه هذا السؤال إلى معارض سابق اعتُقل قبل 2011، أو إلى كاتب أو صحافي أفنى نصف حياته في توثيق جرائم نظام الأسد وفضحها، والمفارقة أن هذا السؤال أحياناً يأتي من مراهقين لم يُكملوا بعد 14 عاماً، وكانوا لا يزالون في بطون أمهاتهم عندما بدأت الثورة.

أن تُسأل كاتبة معارضة مثل روزا ياسين حسن: “وين كنتِ من 14 سنة؟” هو أمر في غاية السخرية. السيدة التي كتبت بحوثاً مطوّلة عن معتقلات الأسد والتشبيح، وكرّست موهبتها لتعرية هذا النظام، تُتّهم في اللحظة التي تقرّر فيها أن تقول لا لمجازر الساحل.  هذا السؤال لا يعكس سوى جهل وتجاهل عميقين لمسار معارضتها الطويل والمستمر.

روزا ليست استثناء، فلنلقِ نظرة على صفحة الكاتب والباحث ياسين حاج صالح على “فيسبوك”، الذي أمضى في السجن الأسدي أكثر من 15 عاماً، واختُطِفت زوجته سميرة الخليل من قِبل الجماعات الإسلامية المتطرّفة. ورغم مصابه الكبير، تمكّن من نقد نظام الأسد، وبقي يطالب بالعدالة والتغيير. اليوم، هذا الرجل يواجَه بالسؤال نفسه، “وين كنت؟”، فقط لأنه ينتقد الحكومة الجديدة. هذا السؤال ليس سوى طريقة لإلغاء ما بذله من جهد فكري ونضالي طوال سنوات، والتقليل من تضحياته، بدلاً من أن يُنظر إليه كباحث ومناضل حقيقي.

مراهقو الثورة

إنهم مراهقو الثورة، مختلقو قصص البطولة، من يمتلكون مفهوماً ضيّقاً للثورة والنضال والتضحية. من يمتلك الحقّ في تحديد مدى تضحية أي كان؟ أو منحه أحقيّة النقد أو لا؟ من الذي قال إن التضحية لها درجات، وإن هناك مستوى واحداً فقط يمكّنك من رفع صوتك؟ ومن يمتلك هذا الحق اليوم؟

هؤلاء الذين يتاجرون بمفهوم التضحية، ويرون فيه سبيلاً للسيطرة على الحقيقة، يتجاهلون أن التضحية ليست مقياساً ثابتاً، بل هي تجربة شخصية فريدة. هؤلاء الذين يوجّهون الأسئلة القاسية، لا يعلمون أن أوّل من قدّم التضحيات، هم أولئك الذين اختاروا أن يستمرّوا في الدفاع عن الضعفاء رغم كل ما قاسوه، ولم يضعوا لأنفسهم معايير ضيّقة للبطولة أو للضحية التي تستحقّ الدعم.

من ضحّى أكثر مِن مَن؟ وكيف يمكن أن نضع مقياساً لهذه التضحية؟ حمل السلاح ليس التضحية الوحيدة أو الأنبل، 14 عاماً تنوّعت فيها التضحيات، بعضها كان قبل الثورة نفسها. التضحية ليست حكراً على لحظة معيّنة أو حدث فردي، بل هي سيرة طويلة من الألم والعزيمة.

مفهوم التضحية أوسع وأكرم من النظرة الضيّقة التي يقدّمها مراهقو الثورة، الذين يظنّون أن التضحية تُقاس بحجم الأكاذيب التي يختلقونها حول أبطالهم. من اعتُقل ضحّى، من قُتل تحت التعذيب ضحّى، من غامر بحياته في البحر ضحّى، من كتب بالكلمة ضد النظام ضحّى. الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن ضحّين، من تحمّلوا الجوع والفقر ضحّوا، من عاشوا وكبروا في الخيام ضحّوا.

أولئك الذين تحدّثوا يوماً بعد يوم عن الحرية والعدالة ضحّوا، من اختار الصمت خوفاً على أحبائه ضحّى، من تخفّى لسنوات كيلا يلتحق بالجيش ضحّى، من لم يتمكّن من رؤية عائلته لسنوات ضحّى، من قرأ كلمة واحدة عن الحرية والثورة ضحّى، الأطفال الذين ولدوا في الخيام ضحّوا، وكل هؤلاء لا يُقلّل من تضحياتهم أحد، مهما كان، لأن تضحياتهم لا تقتصر على الصورة المتخيّلة والهزيلة التي يمتلكها البعض عن التضحية.

المصدر: موقع درج