بحث
بحث
الحجر الأسود - صوت العاصمة

بذريعة إزالة الأنقاض.. هدم مباني الحجر الأسود بدمشق للإتجار بركامها

تواصل الآليات هدم الأبنية في حي الحجر الأسود جنوب دمشق منذ قرابة شهرين من دون التفريق بين المباني التي تشكل خطراً على السلامة العامة والمباني غير المتضررة أو التي لا تشكل خطراً على حياة السكان، في انتهاك صريح للملكيات العقارية في المنطقة.

وتجري عمليات هدم وإزالة المباني غير المتضررة أو غير المصنفة على أنها تشكل خطراً على السلامة العامة بحسب تقييمات لجنة السلامة الإنشائية التابعة لمديرية الخدمات الفنية في محافظة ريف دمشق، تحت غطاء إزالة وترحيل الأنقاض، وفقاً لتقرير نشره موقع سيريا دايركت الذي وصفه تلك العمليات بأنها انتهاك صريح للملكيات العقارية.

وقال أحد سكان حي الحجر الأسود إنّ “ما يجري حالياً هو عمليات تهديم للمنازل واستخراج الحديد منها”، مضيفاً أنّ الهدم يطال منازل سليمة وفي وضح النهار.

وأضاف أنه يسكن في منزل مستأجر بحي التضامن جنوب دمشق على بعد أقل من ثلاثة كيلومترات عن منزله في الحجر الأسود وعائلته واحدة من أصل 37 ألف عائلة كانت ترغب في العودة إلى الحجر الأسود عام 2019، لكنه لم يتمكن من العودة حتى الآن.

في آذار 2023 تم الموافقة على 2700 طلب عودة إلى الحجر الأسود من أصل 3100 طلب لكن لم يعد سوى ألف شخص أي نحو 200 عائلة.

واستعاد النظام السوري سيطرته على الحجر الأسود ومخيم اليرموك، في أيار 2018، بعد اتفاق يقضي بنقل عناصر تنظيم داعش التي كانت تسيطر على المنطقة إلى البادية السورية.

وتتألف منطقة الحجر الأسود من عدة أحياء هي: الثورة وتشرين والجزيرة والوحدة والاستقلال وجزءاً من شارع الثلاثين المشترك مع مخيم اليرموك، وكان يسكنها حوالي 400 ألف نسمة قبل عام 2011.

وكما هو حال مخيم اليرموك شهدت المدينة عمليات تعفيش للمنازل وسرقة أنقاض المباني المدمرة فيها، ولم تتوقف عمليات الهدم والسلب منذ عام 2019 حتى الآن.

سلب ومنع عودة
وسمحت محافظة ريف دمشق في مطلع عام 2023 بعودة سكان حييّ الوحدة والاستقلال، مقابل منعها سكان حي الجزيرة وجزءاً من شارع الثلاثين من العودة بذريعة دمار أغلب المنازل، لكن الواقع أن المنطقة تتعرض لعمليات هدم عشوائي كما أكد عدد من سكان الحجر الأسود، بما في ذلك الأحياء التي سُمح لأهلها العودة إليها.

ولفت أحد سكان حي الثورة أنه حصل على موافقة من بلدية الحجر الأسود لتنظيف المنزل وإصلاحه بعد أن دفع قبل عام ونصف مبلغ 50 ألف ليرة كرسم للكشف على المنزل.

وأضاف أنّه عندما أنهى تأهيل المنزل وقبل أن ينتقل للسكن فيه مجدداً، تمت سرقة أثاثه ومحتوياته وتحطيم سقفه لاستخراج الحديد، لافتاً إلى أنّ القائمين على أعمال التعفيش والسرقة هم أشخاص مدعومون، وشاحنات الحديد التي تخرج من البلدة لا يعترضها أحد رغم انتشار حواجز الجيش في محيط المنطقة.

وقال المستشار القانوني، غالب عنيز  المقيم في دمشق إن !هناك أياد تلعب في الخفاء” من دون توجيه الاتهام لجهة بذاتها وطالب في حديثه بالسماح لجميع أهالي الحجر الأسود بالعودة وترميم منازلهم بعد الكشف الفني عنها كما حصل في مدينة داريا.

ورشات تجارة أنقاض
ويعد حي الجزيرة في الحجر الأسود من أكثر الأحياء التي تتعرض للهدم بحسب أحد سكان المنطقة، قائلاً: “في حال استمر الهدم على هذا المنوال لمدة شهر واحد سيكون حي الجزيرة كاملاً على الأرض مدمراً”، لافتاً إلى خروج عشرة سيارات يومياً من الحي محملة بالحديد ومواد قابلة للتدوير ويتم نقلها إلى معمل حديد حمشو في منطقة عدرا الصناعية، بحسب قوله.

ويعتبر محمد صابر حمشو أحد مالك المعمل أحد أبرز المتعاملين بتجارة الخردة مع الفرقة الرابعة، المتورطة في عمليات نهب أنقاض الأبنية المدمرة.

وأكد مصدران من الحجر الأسود أن متعهدي إزالة الأنقاض يعملون بالتعاون مع الفرقة الرابعة التي تسيطر على تجارة الأنقاض وسحب الحديد منها، ليصار إلى بيعها لرجل رجل الأعمال حمشو، الذي يعيد تدويرها.

وأشار المصادر إلى أنّ هدم المنازل وسلبها في المناطق التي استعاد النظام سيطرته عليها أصدح عملاً منظماً، ولأجل ذلك وُجدت عقود انتساب لصالح أجهزة النظام الأمنية والعسكرية في عدة مناطق وبحسب المعلنين عن هذه العقود يحصل المنتسبون على مبالغ إضافية لقاء العمل في عمليات هدم المنازل.

منع واعتداء بهدف التنظيم
واعتبر محمد وهو أحد سكان الحكر الأسود أنّ حكومة النظام السوري لا تريد عودة السكان إلى منازلهم،  من خلال إطلاق يد متعهدي إزالة الأنقاض من جهة وعدم إعادة تأهيل الخدمات في الحجر الأسود البلدة.

وحصل محمد في العام 2021 على موافقة ترميم شقته الواقعة في حي تشرين بمدينة الحجر الأسود، وبعد شهر من الحصول على الموافقة فوجئ بهدم درج البناء المؤدي إلى شقتيه في الطابق الثالث وكأنها “رسالة ضمنية مفادها أن العودة ممنوعة”، حسب قوله.

ورداً على شكاوى أهالي الحجر الأسد من هدم المنازل عشوائياً بما في ذلك أبنية هُدمت رغم عدم وجود إشارة الإزالة عليها قال رئيس بلدية الحجر الأسود خالد خميس أنه “يتم الكشف على المنازل بوساطة مهندسين متخصصين من لجنة السلامة العامة لمديرية الخدمات الفنية التابعة لمحافظة ريف دمشق، واللجنة تتخذ القرار بإزالة أو ترميم البناء حسب معطيات محددة”.

وأكد خميس أن آليات الهدم تابعة للجنة السلامة العامة ومهمتها إزالة الأبنية الآيلة للسقوط التي تم دراستها من اللجنة، ونفى أن يكون للبلدية علاقة بالسرقات وأن متابعة هذا الملف يكون من قبل أجهزة الأمن وليس من البلدية.

وعلى هامش انتهاكات الملكية العقارية في عدة مناطق أعادت حكومة النظام السوري السيطرة عليها يتخوف المهجرون من مناطقهم لا سيما التي تضم مساكن عشوائية من شرعنة الاعتداء على ملكياتهم تحت غطاء بعض القوانين الصادرة من قبيل القانون رقم 10 لعام 2018 الذي يتيح إعلان الحجر الأسود منطقة تنظيمية جديدة بذريعة معالجة مشكلة العشوائيات وتحويل الملكية العقارية المترية إلى ملكية عقارية سهمية فقط من دون أي حق بالتعويض لمن ضاعت وثائق ملكيته، كما قال المحامي منهل الخالد الخبير في الملكية العقارية.

ويزيد مخاوف المدنيين أن النظام ترك للسلطة التنفيذية حرية اختيار القانون الذي تريد تطبيقه من منظومة القوانين العقارية المتداخلة وغير الواضحة، بحسب الخالد وبالتالي “لا أحد يستطيع التكهن بالقانون الذي سيطبق عند إحداث منطقة تنظيمية، ولا المرجعية التي ستشرف عليها”.

وبدأت محافظة ريف دمشق في العام 2021 بالتنسيق مع شركة الدراسات الهندسية التابعة لوزارة الأشغال في إعداد مخططات تنظيمية تفصيلية جديدة لعدد من المناطق المنظمة المحاطة بسكن عشوائي غير سليم من الناحية الإنشائية والعمرانية ومنها الحجر الأسود وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الرسمية سانا.

وقال مدير دعم القرار والتخطيط الإقليمي في محافظة ريف دمشق عبد الرزاق ضميرية في شباط من العام الجاري أنه “تمت المباشرة بإعداد الدراسة اللازمة لمدينة الحجر الأسود، وتسليم المرحلة الأولى على أن يتم استلام المخطط التنظيمي الكامل للمدينة نهاية شهر حزيران والبنى التحتية ستكون جاهزة اعتباراً من شهر تموز”، مشيراً إلى أن عمليات ترحيل الردميات تمت بنسبة 75%.

ونشر تجمع أهالي الحجر الأسود المهجرين على صفحته في فيسبوك في تشرين الثاني 2022 تحديثاً عن المدينة قال فيه إنّ “نصف أو أغلب منطقة الجزيرة تم إزالتها ضمن التنظيم”، فيما لم تعلن حكومة دمشق أو مجلس بلدية الحجر الأسود عن صدور المخطط للمدينة أو إجراء عمليات هدم استناداً إلى مخططات تنظيمية.

وقال مصدر من مجلس محافظة ريف دمشق إنه “لم يصدر حتى اليوم أي مخطط تنظيمي للحجر الأسود”، مشيراً إلى أنّ القانون الناظم لمخطط الحجر الأسود هو المرسوم 5 لعام 1982 المعروف باسم قانون التخطيط العمراني والذي تم تعديله بموجب القانون 41 لعام 2002.

ويتيح هذا القانون لمحافظة لمجلس المحافظة استغلال التفويض الممنوح لها بموجبه وتحديد المناطق التي تراها بحاجة إلى عادة إعمار أو توسعة ويمنحها صلاحية وضع مخططات تنظيمية لتلك المناطق وهو ما يعطيها سلطة واسعة في اختيار الزمان المناسب والأماكن التي تريد تنظيمها دون الأخذ بالحسبان أي من مصالح أصحاب الممتلكات أو السياقات الأخرى كالنزاع أو النزوح أو اللجوء.

واعتبر المحامي منهل الخالد أنّ الاستناد على القانون رقم 5 لعام 1982 قد يفضي إلى الاستيلاء على عقارات قسم من المالكين كون هذا القانون يمنح السلطة التنفيذية إمكانية إنشاء وتوسيع الطرق وإشادة مدارس وحدائق وغيرها، كما أنه يحرم المتضررين من اللجوء إلى القضاء لأن القانون ينزع عن القضاء هذه الصلاحية ويسندها للجنة فنية تشكل برئاسة المحافظ وعضوية عدد من مرؤوسيه.

وكان الأولى بمحافظة دمشق تنفيذ القانون رقم 3 لعام 2018 رغم سلبياته الكثيرة إلا أنه القانون الخاص بإزالة أنقاض الأبنية المتضررة لأسباب طبيعية أو غير طبيعية كما أوضح الخالد، ناهيك عن أن هذا القانون يحل مشكلة عدم وجود كافة المالكين على عكس القانون رقم 5 الذي يكون التبليغ بموجبه إما شخصياً أو عبر وسائل الإعلام في وقت أغلب سكان الحجر أصبحوا في عداد النازحين واللاجئين، ما يعني صعوبة الوصول إليهم.

وأضاف إذا كانت حكومة النظام السوري غير جادة بإعادة أهالي الحجر الأسود إلى منازلهم، فيتعين عليها على أقل تقدير أن تحافظ على ما تبقى من أملاك المهجرين وتضع حداً لهدم المنازل وسرقتها.

وتوسعت مدينة الحجر الأسود أضعاف حجمها المحدد بالمخطط التنظيمي لعام 1987، كما قال المستشار القانوني غالب عنيز معتبراً أن “ترك المخالفات والعشوائيات تنمو فاقم المشكلة، والحل يبدأ بتنظيم المدينة وتعويض سكانها المتضررين بمساكن بديلة”.