• بحث
دمشق الكبتاغون على البسطة، والبيع على عينك يا تاجر
انترنت

دمشق: الكبتاغون على البسطة، والبيع “على عينك يا تاجر”

شبكات التجار والمروجين تُسيطر على معظم أحياء العاصمة، و”شيخ الجبل” الراعي الأبرز

“عادية ولا مع نص هلال؟”، سؤال أطلقه بائع شاي يقف على طرف الطريق الواصلة بين كفرسوسة والمزة بدمشق، على سائق بدا على علاقة متينة مع البائع، كونه يعمل سائقاً لسيارة الأجرة “التكسي” التي كان يستقلها “محمود”.

لم يكن الحديث لافتاً لـ “محمود” قبل دفع ثمن كأس الشاي للبائع الذي زاد عن 700 ليرة سورية، وعرض الشاي عليه من قبل السائق، مشيداً بصديقه البائع: “هاد أحسن واحد بيعمل شاي بالمنطقة، خمير وظريف، وعنده ملغوم إذا بدك”.

كبتاغون على البسطة!
بينهم من يقف بمفرده حاملاً أدوات تصنيع المشروبات الساخنة، وآخرين يقفون بجوار الأكشاك الممتلئة بالمواد الغذائية والمشروبات وغيرها، وعلى أطراف معظم شوارع العاصمة دمشق، يقف مروجو الحبوب المخدرة بشكل يومي، ولا يمكن أن تجد بينهم من لا يعرف جميع سائقي سيارات الأجرة “التكسي”، وله صداقة متينة مع أصحاب الأكشاك المجاورة.

عمليات الاتجار بالحبوب المخدرة في العاصمة دمشق، باتت معروفة للكثير من قاطني المنطقة، ومكان بيعها بات واضحاً للكثير، إلا أن معظمها غاب عن حملات المكافحة.

في عملية غير متوقعة للكثير، داهمت دوريات تابعة لمكافحة المخدرات في دمشق، أحد الأكشاك الواقعة في منطقة المزة، وآخر في شارع بغداد بدمشق، وضبطت كميات من الحبوب المخدرة من نوع “كبتاغون”.

“ما بتوفي معنا”، عبارة برّر بها صاحب أحد الأكشاك في منطقة الشعلان الإتجار بالحبوب المخدرة مضيفاً: “نحن لا نجبر أحد على شرائها، وإيجار الكشك يتجاوز الـ 500 ألف ليرة سورية شهرياً، لا يمكننا الاستمرار بالعمل ما لم نعمل بهذه الحبوب”.

صاحب الكشك المذكور محصناً نفسه من عمليات الدهم والاعتقال، لا سيما حملات مكافحة المخدرات، مستغلاً سطوة شقيقه الضابط في فرع “الأربعين” الأمني.

دمشق الغارقة بالكبتاغون وحملات المكافحة:
على غرار التصريحات المتكررة لدول الجوار وغيرها من الدول العربية، التي تُعلن فيها السلطات الأمنية لتلك الدول عن ضبط شحنات من مادة الحشيش والحبوب المخدرة قادمة من سوريا إلى بلادها، لا يكاد يمر شهر دون إعلان وزارة داخلية النظام عن ضبط شبكتين من مروجي الحبوب المخدرة في العاصمة دمشق وريفها.

أحد المحامين المختصين بمكافحة المخدرات في القضاء السوري، أطلق على نفسه اسم “أسعد”، يقول إن وزارة الداخلية متمثلة بفرع مكافحة المخدرات، تنفّذ معظم حملاتها لضبط المروجين الصغار، متخذين منها وسيلة لتغطية أعمال كبار التجار من جهة، وإصدار البيانات المتكررة حول ملاحقتها تجار المخدرات من جهة أخرى.

ويضيف أسعد في حديثه لـ “صوت العاصمة”: “هنا في دمشق، يتواجد تجار يعملون على بيع عشرات الآلاف من الحبوب شهرياً، ويشغلون شبكات تضم عشرات الموردين والمروجين، ومئات البائعين”.

وعن مصادر الحبوب يشير المحامي إلى أن حبوب الكبتاغون يتم توريدها إلى سوريا من الأراضي اللبنانية، برعاية ميليشيا حزب الله اللبناني، وأخرى من الأراضي العراقية بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية المسيطرة على جزء كبير من الحدود السورية العراقية شمالي شرق سوريا، معتبراً النظام المروج الأول لهذه الحبوب، كون أجهزته الأمنية هي المسيطرة على غالبية المعابر الداخلية والخارجية.

“الشارع الدمشقي بات مليئاً بحبوب الكبتاغون، منه المزور المحلي، ومنه المورد الأصلي، والبيع “على عينك يا تاجر”، يختم أسعد.

دمشق بين شبكات “شيخ الجبل”!
“جعفر شيخ الجبل”، كما أطلق على نفسه، الاسم الأكثر تداولاً في منطقة المزة 86، وصاحب الصيت اللاذع في أرقى مناطق دمشق، كالمالكي وأبو رمانة والشعلان، وصولاً إلى مشروع دمر.

بشكل علني، عبر شبكة من الباعة معظمهم من صغار السن، يعمل جعفر على بيع الحبوب المخدرة في مناطق نفوذه، إضافة للمناطق المذكورة، بمبلغ يتراوح بين 2000 إلى 3000 ليرة سورية للحبة الواحدة، يقول علي.

علي القاطن في منطقة المزة 86، والمقرب نوعاً ما من الدائرة المحيطة بـ “شيخ الجبل”، أوضح أن الأخير يبيع الحبوب بـ “الجملة” للمروجين من المناطق الأخرى بشكل شخصي، شرط ألا تتجاوز كميتها الـ 200 حبة لكل مروج، ليتمكن من الحفاظ على تجارته بالمفرق في المناطق الأخرى.

وبيّن علي أن “جعفر” تحدث مراراً عن اقتراب موعد إحضار الآلات اللازمة لتصنيع الحبوب محلياً، متباهياً بعلاقاته التي تمكنه من شراء المواد الأولية الخاصة بصناعة الحبوب.

يرتبط “جعفر” بشبكة كبيرة لترويج الحبوب المخدرة في العاصمة دمشق، تبدأ بالتاجر “حسن الزمراني” صاحب الشهرة الأكبر في حي الشاغور الدمشقي، إلى “مهدي” العامل بالترويج في مشروع دمر، وغيرهم من المروجين والتجار المسيطرين على أحياء العاصمة، بحسب علي.

“جعفر” يؤمن حماية أعماله بالتعاون مع شقيقه القيادي في ميليشيا “الدفاع الوطني”، وابن عمه المتطوع في صفوف الأمن العسكري، إلى جانب طائفته “العلوية” التي تمكنه من التعامل مع تجار ميليشيا “حزب الله” في دمشق بسهولة.

كيف تُصنع الحبوب محلياً؟
يعتمد تجار الحبوب المصنعة محلياً، على آلات صنع الشوكولا والأيس كريم الصغيرة في تصنيع الحبوب، بعد الحصول على المواد الداخلة في تركيبتها.

تخضع الآلات المذكورة “صينية الصنع” لبعض التعديلات المحلية، لصناعة حبوب الكبتاغون، وأخرى عبارة عن خليط بين حبوب “الباراسيتامول، والاسبيرين، وخليط من المواد المخدرة مثل الأمفيتامين”، والفياغرا في بعض الأحيان.

تُنتج الآلات المعدلة محلياً، قرابة الـ 90 ألف حبة يومياً، بمعدل 500 إلى 700 قرصاً من الكبتاغون في الدقيقة واحدة، في حين تتفاوت أنواعه بين الممتاز والجيد و”المضروب” كما يُطلق عليه، بحسب الطلب.

الكبتاغون يغزوا مدارس دمشق:
“تفاحة صفراء، ونصف هلال، وجالكسي بالبندق”، أسماء أطلقها مروجو الحبوب المخدرة في مدارس العاصمة دمشق على تلك الحبوب، أثناء عملية البيع والشراء التي غالباً ما يتم الاتفاق عليها عبر تطبيق المراسلة الفورية “واتساب”.

كل صنف ونوع من الحبوب، يحمل أحد الأسماء المذكورة، وغيرها من المصطلحات التي لا يعرفها سوى المروجون والمتعاطون، يقول “أحمد” المُدرس في إحدى ثانويات دمشق.

ويضيف أحمد في حديثه لـ “صوت العاصمة”: “معظم البائعين من صغار السن، وفي الغالب لا تتجاوز أعمارهم الـ 20 عاماً، وكثيراً ما يتباهون بهذه الأعمال، معتقدين أنهم يقومون بأفعال بطولية.

ويتابع المدرس الأربعيني: “سلوك الطلاب تغير كثيراً، وباتوا عدوانيين لدرجة كبيرة، وتصرفاتهم غير مقبولة في المجتمع”، وضحاً: “لم نعد قادرين على ضبط الطلاب المتعاطين، فلكل منهم قريب أو صديق يدعمه، ولم تعد النصائح مجدية معهم”.

رغم امتناع محمود عن تناول الشاي من السائق، ومحاولته التظاهر بعدم فهم ما قيل، إلا أن السائق أصرّ على توضيح أمر عملية البيع بالقول: “زميلنا بفرع 215 أمن عسكري وعم يسترزق ببسطة الشاي والقهوة”، لتكون آخر الكلمات قبل وصول محمود إلى وجهته، مغادراً السيارة دون رد.

إعداد: ألكسندر حدّاد
تحرير: أحمد عبيد