• بحث
انترنت

كيف يعيش الصم في سوريا مع كورونا؟

وسط ازدحام آلاف المنشورات التي تقفز أمامنا كل يوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، متحدثة عن أكثر ما يشغل بال الناس حول كوكبنا في الآونة الأخيرة، فيروس كورونا، تطالعني مقاطع فيديو صامتة، لا صوت لها سوى حركات بالأيدي، تتحدث بلغة الإشارة المخصصة للصم.

أتتبعها لبعض الوقت، لأعرف بأنها مقاطع تبرَّع عدد من مترجمي لغة الإشارة السوريين لتصويرها ونشرها عبر صفحاتهم الشخصية، مستهدفين بها عشرات آلاف فاقدي أو ضعيفي السمع في سوريا، بمحتوى توعوي وإرشادي مطابق لما تتحدث عنه وتنشره المؤسسات ذات الصلة، مثل منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة السورية.

ولقيت هذه المنشورات تفاعلاً كبيراً، من فئة تبدو اليوم توّاقة للحصول على مزيد من التفاصيل عن هذا المرض المستجد، في ظل نقص كبير في المعلومات المخصصة لشريحتهم التي لا تشبه غيرها من شرائح المجتمع، كما يقولون.

خوف من المجهول
تتحدث الإحصائيات الرسمية السورية عن وجود حوالي عشرين ألف أصم في سوريا، في حين يقدّر بعض العاملين في منظمات غير حكومية تدعم هذه الفئة، بأن عددهم أكبر من ذلك، وقد يبلغ خمسة أضعاف الرقم الرسمي.

يعاني معظم هؤلاء الصم، إضافة لإعاقتهم، من صعوبات كبيرة في التواصل مع محيطهم، ابتداءً بالمنزل مروراً بالمدرسة والجامعة، ووصولاً لأماكن العمل، كما يندر حصولهم على مستوى تعليمي وفرص عمل توازي تلك المتاحة للسامعين، نتيجة عدم تكيّف المناهج السورية مع احتياجاتهم، إضافة لقلة عدد مترجمي لغة الإشارة على مستوى البلاد، وتنعكس هذه الصعوبات في المواقف التي تستدعي اطلاعهم على الكثير من المحتوى، كما هو الحال مع فيروس كورونا اليوم.

تواصلت مع فرح التل، وهي مترجمة لغة إشارة تعيش في دمشق، وسألتها عما يشعر به الصم في سوريا حيال كورونا، والكيفية التي يتحدثون بها عنه، خاصة مع إعلان تسجيل أول إصابة بالفيروس في البلاد يوم الأحد الفائت. “هو مرض صعب بعيون الصم، ويشعرون اليوم بكثير من الحيرة والتخبّط إزاءه”، تقول في حديث لرصيف22، وتحيل ذلك أيضاً لما عانوه خلال سنوات الحرب في سوريا، فكثيراً ما كانوا يمرون بجانب الخطر دون أن يعرفوا ذلك تماماً، نتيجة فقدانهم حاسة السمع، ويتذكر بعضهم حوادث إخلاء لأماكن ساخنة كانوا عاجزين خلالها عن سماع النداءات والإنذارات المرافقة.

بعد أيام، تعود فرح وفي جعبتها مقابلات أجرتها عبر تطبيقات المحادثات المرئية، مثل سكايب، مع بعض الصم من أصدقائها وطلابها، لتنقل لي انطباعاتهم ومخاوفهم.

يعاني معظم الصم من صعوبات كبيرة في التواصل مع محيطهم، كما يندر حصولهم على مستوى تعليمي وفرص عمل توازي تلك المتاحة للسامعين، نتيجة عدم تكيّف المناهج السورية مع احتياجاتهم، إضافة لقلة عدد مترجمي لغة الإشارة على مستوى البلاد، وتنعكس هذه الصعوبات مع كورونا اليوم

يعتقد صالح، وهو شاب أصم لديه ابنتان سامعتان، بأن “كورونا أصعب بكثير من الحرب”، ويتابع آخر المستجدات عبر موقع فيسبوك على الدوام، مع التركيز على المحتوى الذي ينشره العرب، “نظراً لامتلاكهم معلومات أكثر من السوريين حول موضوع كورونا”، كما يقول.

ويهتم صالح أيضاً بالاطلاع على تجارب الدول المختلفة والنصائح التي تقدمها بخصوص الفيروس والمرض، مستفيداً من معرفته بلغة الإشارة العالمية التي تتيح له الاطلاع على محتويات مختلفة، بعكس حال كثير من الصم السوريين الذين لا يعرفون سوى لغة الإشارة المحلية، ما يعني محدودية المحتوى العالمي الذي يمكنهم متابعته.

وتعيش جوانا، وهي فتاة صماء لها من العمر خمسة عشر عاماً، مخاوف مشابهة، وقد كانت شاهدة خلال سنوات طفولتها على الكثير من الأحداث العنيفة في منطقة سكنها بريف دمشق. ومع كون جوانا فتاة دون صوت أيضاً، ما يعني حتى عدم قدرتها على إصدار أي صوت في حال تعرضها للخطر، تشعر اليوم بدرجة عالية من الخوف من هذا المرض المجهول، الذي يدفعها للاستمرار بتعقيم يديها وحاجياتها وكل ما حولها.

هذا المرض الجديد أجبر حسن، وهو شاب عشريني أصم يعيش في دمشق ويعمل بتصميم الأزياء، على التخلي المؤقت عن مهنته للاهتمام بوالديه وتحمل مسؤولية المنزل، “للمرة الأولى في حياته”، كما يقول. “أحرص على أن أجنّب أبي وأمي الخروج من المنزل، وبالتالي ألقيت على عاتقي مهمة جلب كل الأغراض التي تلزمنا وتعقيمها بشكل دقيق”، يضيف حسن.

جهود تطوعية للترجمة
تخبرني فرح التل بأن الصم عادة لديهم شكوك أكثر من الآخرين، كما أن مصادر معلوماتهم قليلة، نظراً لاعتمادهم بشكل شبه مطلق على ما ينشر عبر الإنترنت من محتوى قد لا يستطيع جميعهم متابعته وفهمه بالقدر الكافي، سواء كان مكتوباً أو بلغة إشارة عربية أو عالمية لا يتقنها كثر منهم. يتابع عدد منهم اليوم صفحة المنظمة العربية لمترجمي لغة الإشارة، ويعتمدون على الجهود الفردية لعدد من المترجمين المتطوعين لمساعدتهم خلال هذه الفترة.

“كمترجمة أعرف أعداداً كبيرة من الصم اليوم في سوريا، أتلقى منهم بشكل يومي مقاطع فيديو وصفحات يطلبون مني ترجمة محتواها، وأقضي جزءاً جيداً من وقتي معهم بمكالمات مرئية، لأشرح لهم كل ما يهتمون بمعرفته”، تقول.

إضافة لذلك، تتابع فرح آخر المستجدات المتعلقة بهذا المرض، سواء على مستوى عالمي أو محلي، وتنشر عبر صفحتها الشخصية بشكل شبه يومي مقاطع بلغة الإشارة، لتشرح لهم تلك المستجدات، ومنها إعلانات الحكومة السورية حول إغلاق الفعاليات المختلفة، أو حظر التجول في الشوارع. وبشكل متكرر، تعيد فرح مشاركة مجموعة من المقاطع التي يسجلها بعض الصم في سوريا، موجهين نداءات لبعضهم البعض للالتزام بالمنزل، تحت عنوان “خليك بالبيت”.

“من المهم ألا يعيش الصم اليوم في دوامة من الخوف، وأن يكونوا مرتاحين في تعاملهم اليومي، خاصة وأن معظمهم حذر للغاية”… ظروف الصم في سوريا مع فيروس كورونا

وتشارك في هذه الجهود مترجمة لغة الإشارة المقيمة في دمشق، مريم أبو عطوان، أيضاً عبر مجموعة من المقاطع التي تتحدث فيها بلغة الإشارة حول بعض النصائح الأساسية التي يجب اتباعها للوقاية من فيروس كورونا، أو لتمضية الوقت بشكل مفيد في المنزل وحماية أفراد العائلة، مع التأكيد على أهمية عدم الخروج إلا للضرورة القصوى.

تشير مريم في حديث لرصيف22 إلى أن الصم في سوريا يعانون من نقص كبير بالمعلومات حول كورونا، مع عدم قدرتهم على الاستفادة مما يقدم عبر التلفاز أو الراديو، أو حتى ما ينشره العديد من الأطباء عبر صفحاتهم. بذلك، شعرت مريم بأهمية أن تستفيد من معرفتها بلغة الإشارة، كي تحوّل تلك المعلومات إلى شكل مبسط يستطيع الصم الاطلاع عليه والاستفادة منه. “هو حقهم، ومسؤوليتنا في الوقت نفسه”، كما تقول.

وكان للمقاطع التي تعمل مريم على نشرها فائدة كبيرة للصم الذين بدأ عدد منهم فعلاً باتباع النصائح المقدمة، وتتحدث مريم عن حالات لأهل صمٍ وأطفال سامعين أو العكس، استفسروا منها عن بعض ما يقلقهم حيال طرق التواصل الأمثل بينهم خلال هذه المرحلة. “من المهم ألا يعيش الصم اليوم في دوامة من الخوف، وأن يكونوا مرتاحين في تعاملهم اليومي، خاصة وأن معظمهم حذر للغاية”.

البعض أيضاً يسأل مريم عن أنشطة يمكن تنفيذها في المنزل مع الأطفال، وهي عن طريق اطلاعها الواسع وخبرتها كمدرّبة لمهارات الحياة، قدمت لهم العديد من الأفكار حول أنشطة رسم ورياضة ملائمة، وأرسلتها لهم عن طريق مقاطع فيديو أو صور توضيحية.

تشجع مريم أيضاً من حولها لتعلم لغة الإشارة خلال أوقات الفراغ الحالية التي أتاحتها فترة العزل المنزلي، ما قد يمكّنهم من الحديث مع أصدقائهم الصم، سواء في سوريا أو حول العالم، وتحسين التواصل مع هذه الفئة التي تحتاج دعماً كبيراً اليوم.

المصدر: رصيف 22