بحث
بحث

مجزرة كيماوي الغوطة: 6 أعوام على عار المجتمع الدولي

في مثل هذا اليوم من العام 2013، وقعت المجزرة الكيماوية الأكبر في تاريخ الثورة السورية. يومها أطلقت مليشيات النظام المتمركزة في مطار المزة العسكري، ومنصات “الفرقة الرابعة” في جبل قاسيون، صواريخ محملة برؤوس معبأة بغاز الأعصاب؛ السارين.

وتشير المصادر إلى توجيهات ايرانية كانت خلف قرار نائب مدير مكتب الأمن القومي حينها اللواء عبدالفتاح قدسية، باستخدام الكيماوي. قدسية أصدر أوامره، لـ”وحدة الارتباط” بين “شعبة المخابرات الجوية” و”وحدة البحوث العلمية 450″ المسؤولة عن تذخير قذائف المدفعية بالكيماوي، بإمرة العميد علي ونوس، وبالتعاون مع رئيس قسم الكيماوي بـ”اللواء 105 حرس جمهوري” المقدم محمود شقرا، للتحضير للهجوم. وأطلقت سرية المدفعية بجبل قاسيون التابعة لـ”اللواء 105″ قذائف مدفعية عيار 130 تحوي السارين باتجاه الغوطتين الشرقية والغربية.

الصواريخ استهدفت بلدات زملكا وعربين وعين ترما وكفربطنا ومعضمية الشام، وخنقت أكثر من 1125 شخصاً حتى الموت، منهم 201 امرأة و107 طفلاً، على مرأى ومسمع بعثة المراقبين الدوليين التي كانت قد وصلت إلى دمشق قبل ثلاثة أيام.

مركز توثيق الانتهاكات الكيماوية في سوريا، قال إن 6210 أشخاص آخرين ظهرت عليهم حالات الإصابة بالسلاح الكيماوي، وعانوا من احمرار وحكة في العينين، وغياب عن الوعي، واختناق وتشنجات عضلية ورغوة في الفم.

المجزرة التي طبعت أكبر مأساة في وجدان السوريين، استقبلها المجتمع الدولي بالتنديد والقلق، بما فيه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي عوّل عليه السوريون لانهاء مأساتهم بعد تصريحاته المتكررة التي حملت طابع التهديد المباشر للنظام، ووعوده بتوجيه ضربة عسكرية للأسد في حال استعمل أسلحة محرمة دولياً متجاوزاً “الخط الأحمر” الذي رُسم له.

وجّل ما فعله أوباما عقب المجزرة، هو تلقّف عرض روسي محتال، والتصويت على قرار مجلس الأمن بسحب السلاح الكيماوي من النظام عقاباً على انتهاكه للقانون الدولي، وإعطائه الضوء الأخضر لاستعمال الأسلحة التقليدية لقتل المدنيين.

وأدان مجلس الأمن الدولي، استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية، بعد 26 يوماً على وقوعها، وبعد جهود ومباحثات “مكثفة” بين روسيا وأميركا. وأقر المجلس بضرورة سحب الترسانة الكيماوية من يد النظام، من دون التهديد بأي عمل عقابي، في حال عدم الامتثال للقرار. بل أشار المجلس إلى أنه في حال الإخفاق في الالتزام ببنود التخلص من الأسلحة الكيماوية، فإنه سيتوجه إلى التوافق على إجراءات جديدة، لا الانتقال بشكل تلقائي للبند السابع.

في 23 حزيران/يونيو 2014، أعلنت “البعثة المشتركة للتخلص من الأسلحة الكيماوية في سوريا”، انتهاء مهمتها بنقل كامل مخزون الأسلحة الكيماوية وتدمير مواد انتاجها، ووسائل إطلاقها المعلنة من جانب النظام السوري، “في إطار زمني لم يسبق له مثيل، وفي ظل ظروف وتحديات فريدة من نوعها”. واستمر عمل البعثة قرابة 5 أشهر، عملت خلالها على نقل المواد الكيماوية خارج سوريا، عبر مرفأ اللاذقية. وأشادت البعثة بـ”التعاون البناء والالتزام الذي أبدته الحكومة السورية”. ووقع النظام السوري عقب مجزرة الغوطة على “اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية”، بعد إعلانه امتلاكه 1300 طن من المواد الكيماوية.

تقارير استخباراتية وتصريحات مسؤولين أوروبيين، ذهبت إلى مسؤولية النظام عن الهجوم، بينما تلكأت بعض الحكومات في توجيه اتهام مباشر، مثل التصريحات التي صدرت عن الحكومة الألمانية، والتي رجّحت استعمال “الجيش السوري” للسلاح الكيماوي “من دون علم الرئيس بشار الأسد أو تفويضه”.

لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة أصدرت تقريراً في 16 أيلول/سبتمبر 2013، اكتفى بوصف الهجوم بأنه جريمة خطيرة، ويجب “تقديم المسؤولين عنه للعدالة في أقرب وقت ممكن”، من دون تحميل مسؤولية الهجوم لأي جهة.

النظام السوري نفى وقوفه وراء الهجوم، واتهم المعارضة بالمسؤولية عنه، إذ قال إنه عثر على أسلحة كيماوية في أنفاق تحت سيطرة المعارضة المسلحة في مدينة جوبر، وهو ما نفاه المحققون الدوليون، الذين أكدوا أن الأسلحة الكيماوية التي استعملت في الغوطة خرجت من مخازن النظام السوري. كما أشارت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى توفر أدلة توضّح وقوف النظام وراء المجزرة.

من جانبه، دعا الائتلاف الوطني السوري إلى مساءلة جنائية “لرأس النظام السوري”، وتحقيق دولي نزيه، وهو المطلب الذي دعمته تركيا، ودعت للتحقيق في استعمال أسلحة محرمة دولياً ضد المدنيين.

وعمل النظام، ولا يزال، بعد سيطرته على الغوطة الشرقية، على طمس أي آثار أو أدلة عن الهجوم، حيث ذكرت مصادر محلية أن النظام افتعل هجوماً وهمياً على أحد حواجزه في مدينة زملكا منتصف عام 2018، ليقوم في ما بعد بتطويق منطقة “مقبرة الشهداء” في المدينة، وينفذ حملة اعتقالات واسعة طالت ممرضين وحفاري قبور ممن شهدوا المجزرة، بذريعة أنهم شاركوا في الهجوم الوهمي على الحواجز، منهم  مسؤول مقبرة حي جوبر، كما دخلت مليشيات النظام إلى المقبرة لتبدأ عملية حفر بحجة وجود أسلحة وذخائر مخبأة من قبل مجهولين.

عمليات الحفر استمرت لأكثر من أسبوع، ونُقل رفات الضحايا إلى جهة مجهولة، يرجّح أن تكون إلى مقبرة نجها، في حين يعتقد آخرون أن النظام قام بحرقها، مشيرة إلى أن مقبرة زملكا تضم قرابة الـ700 جثة لمدنيين قضوا في مجزرة الكيماوي.

بعد ست أعوام على المجزرة، ما زال المجرم طليقاً، وعاد إلى استخدام السارين، مراراً وتكراراً. بعد 6 أعوام على المجزرة، ما زال المجتمع الدولي عاجزاً عن تفعيل آلية التحقيق الخاصة بجرائم الكيماوي. بعد 6 أعوام على المجزرة، ما زال المجتمع الدولي، يفاوض نظام الأسد، على وقف مجزرة الإبادة اليومية بحق السوريين، بالأسلحة التقليدية.

المصدر: صحيفة المدن

اترك تعليقاً