تواصل مخلفات الحرب والعمليات العسكرية حصد المزيد من أرواح السوريين في مناطق مختلفة من البلاد، وتترك آخرين بإعاقات غالباً ما تكون دائمة، بينما تمنع شريحة واسعة من النازحين والمهجرين من العودة إلى مدنهم وقراهم، بسبب انتشار المخلفات الواسع وصعوبة تحديد أماكنها.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وثقت الجهات المعنية منذ شهر كانون الأول الماضي، أكثر من 430 حالة وفاة وإصابة، يشكل الأطفال منهم نحو ثلث، ويعد المزارعون والرعاة الفئة الأكثر تضرراً من جراء الذخائر الغير منفجرة.
استمرار الموت
ومع تنوع أشكال هذا الموت المؤجل الذي زرعه نظام الأسد المخلوع خلال حربة التي غطت أرجاء الأراضي السورية، وضعف الإمكانيات والأدوات اللازمة للتخلص منه، ما تزال أعداد الضحايا آخذة بالارتفاع بشكل شبه يومي.
فقد أعلن الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” مقتل ثمانية أشخاص من عائلة واحدة، وإصابة آخرين يوم الخميس الماضي، بعد انفجار ذخائر حربية ساكنة داخل منزلهم في قرية النيرب بريف إدلب الشرقي.
وسبق هذه الفاجعة مقتل أربعة مدنيين بانفجار لغم أرضي في قرية حاس جنوب إدلب، بينما تستمر عمليات الإبلاغ من قبل مدنيين في مناطق خطوط التماس السابقة مع قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية، عن ذخائر وألغام ومفخخات مزروعة داخل المباني السكنية والأراضي الزراعية.
وتتحدث منظمة “هاندي كاب انترناشونال” عن استخدام أكثر من مليون قطعة ذخيرة منفجرة في سوريا خلال الحرب، ما يزال جزءاً كبير منها يهدد حياة المدنيين، متوقعةً وجود بين 100 إلى 300 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة، تشكل خطراً كبيراً على 15 مليون سوري، معتبرة الأمر “بالكارثة بكل ما تعنيه الكلمة”
مخاوف من العودة
ويرفض أبو وحيد المقيم في مدينة أعزاز شمال حلب العودة إلى مدينته تل رفعت القريبة، بسبب الألغام والمتفجرات، حيث تحدث عن إبلاغ معظم العائدين بانتشار الألغام والمتفجرات من براميل وغيرها داخل المنازل التي فخختها “قسد” قبل انسحابها من المنطقة، ما يزيد احتمال فقدان أرواحهم دون سابق إنذار.
بينما أكد محمد الموسى طلبه من فرق الدفاع المدني في حلب مرافقته إلى بلدته عزان جنوب حلب، لتأمين أكثر من 20 هكتار من أرضه وأراضي أقربائه المحيطة، قبل عودته مع أسرته إلى المنطقة.
ويتحدث الموسى عن رفض أصحاب الجرارات والآليات الزراعية دخول معظم المناطق والأراضي الزراعية في منطقته، مخافة وجود ألغام وذخائر حربية، خاصة وأن المنطقة شهدت معارك وقصف قبل تحولها ولأشهر طويلة إلى خط مواجهة مع الثوار، في ذلك الوقت.
عمليات تطهير
ومنذ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وحتى 26 كانون الثاني/يناير 2025، نفذت فرق إزالة مخلفات الحرب في فرق الدفاع المدني السوري (UXO) 744 عملية تطهير تم خلالها التخلص من 1236 ذخيرة غير منفجرة، بالإضافة إلى تحديد 136 حقل ألغام ونقاط لوجود الألغام (بما في ذلك الألغام المضادة للدبابات وأخرى للأفراد)، وحددت فرق المسح 176 منطقة خطرة مؤكدة، إضافة إلى عقد 357 جلسة تدريب عملي للسكان قبل عودتهم إلى مناطقهم.
أما الذخائر الأكثر انتشاراً فهي القذائف المدفعية والقنابل العنقودية والألغام الأرضية، إلى جانب القنابل والصواريخ، فضلًا عن الأسلحة والذخائر المتروكة في المقرات والنقاط العسكرية، كما تنتشر العبوات الناسفة والمفخخات التي استُخدمت لتفخيخ منازل المدنيين.
وفي حديثه لـ”المدن” أكد محمد سامي منسق برنامج إزالة مخلفات الحرب في الدفاع المدني، وجود أعداد كبيرة من الذخائر والألغام بين منازل المدنيين والأراضي الزراعية وأماكن لعب الأطفال، ناجمة عن قصف ممنهج طوال السنوات الـ13 الماضية، وستبقى قابلة للانفجار لسنوات أو حتى لعقود قادمة.
ويقول: “يواصل قسمنا المؤلف من ستة فرق عمله بتطهير المناطق الملوثة، وتشمل إجراء عمليات مسح غير تقني وتحديد مناطق مخلفات الحرب وإتلاف تلك الذخائر وتقديم جلسات التوعية بتلك المخلفات”.
الألغام خارج الاختصاص
ويؤكد محمد سامي على أن فرق الإزالة التابعة للدفاع المدني، غير مختصة بإزالة الألغام حتى اليوم، وينحصر عملها بالتعامل مع الذخائر الغير منفجرة وتحديد أماكن تواجد الألغام عبر التعاون مع المجتمع المحلي وإرسال الخرائط للمعنيين.
ويضيف: “نخطط لزيادة عدد ونوعية تدريب فرقنا العاملة في إزالة مخلفات الحرب، ولدينا خطط أولية لزيادة عدد الفرق إلى 12، إضافة لتحضير المعايير والمتطلبات الأولية لتكون قادرة على التعامل مع الألغام وإزالتها وليس فقط مع مخلفات الحرب.
بينما تبقى عمليات إزالة الألغام والمفخخات الموقوتة محصورة بالمتطوعين من أصحاب الخبرات الهندسية، وغالباً ما تعمل هذه الفئة بشكل فردي دون تنسيق أو تمويل حكومي أو مؤسساتي.
ويعيش السوريون اليوم داخل نطاق مكاني كبير ملوث بالذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب والألغام، يعرض حياتهم لتهديد دائم، يحرم العائد من الاستقرار، وتدفع بمن يفكر بالعودة إلى التريث، لتحول دون استعادة عجلة الحياة، في إرث ثقيل وقاتل تركه نظام الأسد البائد ليقتل المدنيين لأمد طويل.
المصدر: جريدة المدن اللبنانية