بحث
بحث
شركة وايركارد - انترنت

تحقيق يكشف تورط رئيس “وايركارد” الألمانية بالتجسس لصالح روسيا في سوريا

كشفت تحقيقات صحفية عن تورط الرئيس السابق لشركة “وايركارد” الألمانية يان مارساليك المطلوب دولياً بالتجسس لصالح موسكو، مشيرة إلى نشاطه في سوريا ضمن مرتزقة فاغنر.

وأدانت تقارير أجرتها كل من صحيفة دير شبيغل وقناة ZDF الألمانيتين وستاندرد النمساوية ومنصة التحقيقات الروسية ذا إنسايدر، وترجمها موقع تلفزيون سوريا، المدير السابق لشركة وايركارد الألمانية بالتجسس لصالح الاستخبارات الروسية.

وانهارت شركة وايركارد للخدمات المالية المدرجة على مؤشر داكس في صيف 20220 حيث جرّت قضية الاحتيال التي بلغت قيمتها مليار دولار ضمن شركة مزود خدمة الدفع في ميونيخ والتي كانت يوماً ما مبعث فخر في ألمانيا.

وفي أعقاب ذلك هرب الرئيس التنفيذي للشركة يان مارساليك إلى روسيا بعدما لاح انهيار الشركة في الأفق، ومنذ ذلك الحين بدأ البحث عنه في جميع أنحاء العالم، وتحولت أكبر فضيحة اقتصادية في تاريخ ألمانيا إلى قصة تجسس مثيرة للجدل.

ووفقاً للتحقيقات فإنه في أيلول 2020 انتحل مارساليك هوية كاهن أرثوذكسي روسي يدعى كونستانتين بايازوف وساعده أشخاص مقربون من المخابرات الروسية في الحصول على جواز سفره الجديد وتعود الصلات إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير إذ تشير الأبحاث الجديدة إلى أن مارساليك كان على ما يبدو جزءاً من شبكات التجسس الروسية لسنوات.

وعلى الرغم من أنّ مارساليك لم يصبح كاهناً حقيقياً، لكن هويته الجديدة ليست وهمية أيضاً، لأن هناك كاهن يُدعى كونستانتين بايازوف يعيش في مدينة ليبيتسك جنوب شرق العاصمة الروسية موسكو وهو يشبه مارساليك في الشكل ويفصل بين تاريخي ميلادهما عام واحد فقط، ويبدو أن مارساليك قد انتحل هويته حتى يتمكن من السفر.

وتشير قناة ZDF الألمانية إلى أن فريق البحث يمتلك نسخاً من جواز السفر الجديد وملفات جواز السفر المرتبطة به، ويظهر كلاهما صورة شخصية لمارساليك وقد تم تقديم طلب للحصول على جواز السفر واستلامه من سلطات موسكو من قبل امرأة سبق أن جذبت الانتباه بالفعل كمساعدة مشتبه بها لجهاز المخابرات الداخلية الروسي FSB ووفقاً لبيانات الهاتف المحمول، يقال إن مارساليك سافر معها إلى شبه جزيرة القرم المحتلة من قبل روسيا بعد فترة وجيزة من هروبه.

ولعبت عشيقته الروسية ناتاليا زلوبينا دوراً محورياً في انغماس مارساليك بعالم الأجهزة السرية الروسية، فقد كانت عارضة أزياء مثيرة ولعبت دور قاتلة في فيلم رعب رخيص من عام 1996، والتي تقضي على ضحاياها بسم الأعصاب تماما مثل الأجهزة الروسية الحقيقية.

ويشتبه بعض الأشخاص المطلعين على القضية في أن زلوبينا جرى إعدادها عمداً كـ “فخ عسل” لمارساليك، كما استُبدل ملف جواز سفرها الروسي ببيانات امرأة أخرى، وفي صيف عام 2020 حُذفت تحركات سفرها أيضاً من قاعدة البيانات،  وكلها أدلة على تدابير الحماية الخاصة التي اتخذها الروس.

وفتحت زلوبينا الأبواب أمام مدير وايركارد في عالم الأعمال في روسيا ثم عرّفت مارساليك على أشخاص من الجيش والعملاء، وفي 6 تموز 2014 وخلال حفل عيد ميلاد على متن يخت في نيس قيل إنها قدمت مارساليك إلى ستانيسلاف بيتلينسكي الملقب بـ”ستاس” الذي لا تُعرف له وظيفة الرسمية، لكن يصفه عملاء غربيون بأنه امتداد لمختلف الأجهزة الروسية ويقال إنه قال في اجتماع سري إنه سلّم مارساليك إلى جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية.

وفي 5 أيار 2017 اجتمع مارساليك مع رئيس الجهاز السري لمتزقة فاغنر أناتولي كارازي عن طريق بيتلنسكي والتقى الثلاثة في ميونيخ، ثم سافروا عبر بيروت إلى سوريا وتحديدا إلى تدمر، وفي ذلك الوقت كان مرتزقة فاغنر يقاتلون داعش مع القوات الروسية وجيش النظام السوري هناك، وفي تلك الفترة ظهرت تسجيلات مصورة من شرقي سوريا تظهر عناصر فاغنر وهم يعذبون الناس بقسوة حتى الموت.

ونشرت قناة ZDF صورة لمارساليك وهو يحمل بندقية هجومية وسترة مضادة للرصاص وبجانبه ستانيسلاف بيتلينسكي في سوريا عام 2017، ويقال إن المجموعة أقامت في سوريا لعدة أيام.

والتقى مراسلو صحيفة دير شبيغل بيتلينسكي في أحد الفنادق الفاخرة في دبي وقال بيتلينسكي إنه قدم مارساليك إلى العديد من كبار صانعي القرار في روسيا، كما أكد أيضاً على رحلته إلى سوريا.

أحد هؤلاء الأشخاص هو رجل عمل مستشارا لمارساليك منذ عام 2018 وعمل سابقا في المكتب النمساوي لحماية الدستور BVT، ويتهمه محققون خاصون من وزارة الداخلية النمساوية وغيره من عملاء BVT السابقين بالتجسس لصالح مارساليك، ويقال إنهم حصلوا على بيانات عن أشخاص لا يحظون بشعبية لدى الكرملين.

وزار بيتلينسكي مكتب مارساليك المقابل للقنصلية العامة الروسية في ميونيخ ويُقال إن مارساليك كان يلتقي هناك بانتظام مع أشخاص مؤثرين من رجال السياسة والأعمال والسلطات الأمنية، وكان أحدهم رجل عمل مستشارا لمارساليك منذ عام 2018 وعمل سابقاً في وكالة الاستخبارات الداخلية النمساوية آنذاك، ويتهمه محققون خاصون من وزارة الداخلية النمساوية هو وعملاء سابقون آخرون في وكالة الاستخبارات الداخلية النمساوية بالتجسس لصالح مارساليك. ويقال إنهم حصلوا على بيانات عن أشخاص لا يحبهم الكرملين.

وتوصل المحققون الخاصون المعروفون باسم AG Fama إلى استنتاج واضح في تقريرهم السري الذي يقول إن “التحقيقات المكثفة تثبت الشكوك وتشير إلى وجود شبكة استخباراتية راسخة في النمسا حول المواطن النمساوي يان مارساليك، الذي لا يزال هارباً”.

وكتب المحققون أن “الأهداف كانت الاستطلاع المستهدف وتحديد مواقع الأفراد وشراء الملفات والتأثير المستهدف على أعضاء الحكومة والأحزاب لصالح المصالح الروسية، وقد أنشأت المجموعة خلية استخباراتية استغلت أجهزة الاستخبارات الروسية قدراتها وإمكانياتها”.

وفي عام 2018 كانت وايركارد واحدة من الشركات الألمانية الثلاثين الأكثر قيمة، حيث بلغت قيمة المعاملات المالية التي تدفقت من خلال مزود الخدمة 125 مليار يورو، ويشمل ذلك أيضاً مدفوعات من السلطات الألمانية، مثل التحويلات إلى المخبرين، وتعرب الدوائر الأمنية عن قلقها من أن البيانات المالية لشركة “وايركارد” يمكن أن تكون قد تدفقت أيضاً إلى خدمات أجنبية، وهو خطر أمني كبير لم تبدأ السلطات في توضيحه حتى الآن.

ويقال إن مارساليك استخدم وايركارد لشراء أجزاء من شركة مرتزقة روسية عبر شبكة من الشركات، وكان يضع في ذهنه ليبيا كمكان محتمل للعمليات؛ حيث طلب حينها من خبير التنمية كيليان كلاينشميت إعداد دراسة جدوى بمبلغ 200 ألف يورو، مدفوعة من “المعهد الثقافي الروسي الليبي” في موسكو، كما كان من المقرر أن تشمل الدراسة تدريب ما يصل إلى 20 ألفاً من عناصر الميليشيات الليبية للسيطرة على تدفق المهاجرين من شمال إفريقيا نحو أوروبا. وفق ما قال كلاينشميت.

وحتى بعد هروبه، يُشتبه في أن مارساليك عمل كعميل استخبارات لصالح روسيا، وفي شباط 2023، ألقت شرطة لندن القبض على خمسة بلغاريين، ووفقاً لتصريحاتها الخاصة، فقد استبقت الشرطة البريطانية خططاً ملموسة لشن هجوم وعمليات اختطاف، ويُزعم أن مارساليك كلّف هذه المجموعة في الفترة ما بين آب 2020 وشباط 2023 للتحقيق وتتبع الأهداف في جميع أنحاء أوروبا.

ويقال إن المحققين لديهم عشرات الآلاف من رسائل الدردشة بين مارساليك وآر ويُعْتَقَد أن بعض هذه الدردشات تعلقت بشراء عتاد عسكري لروسيا وتجهيز أدوات تجسس بأجهزة رقمية وبرمجيات وكتب إرشادية للقراصنة والتجسس على اتصالات وتعقب أشخاص تعاديهم روسيا، كما عُثر على وثائق مزورة وتقنيات مراقبة وملابس مموهة خلال عمليات تفتيش المنازل.

ومن المقرر أن تبدأ المحاكمة ضدهم في نهاية العام الجاري، وما يزال ما سيقوله مارساليك حول جميع مزاعم التجسس غير واضح، ولم يرد محاميه على مجموعة كبيرة من الأسئلة، وبالتالي من المرجح أن يظل مكان جان مارساليك في قفص الاتهام فارغاً، فمكان وجوده ما يزال مجهولاً تحت حماية الأجهزة السرية الروسية.