• بحث
المصدر: موقع درج

تعميم عنصري من رأس بعلبك، ورئيس البلدية “إجا ليكحلها… عماها!”

اتهم السوريين بـ “السرقة والطمع وارتكاب الجرائم”.. كيف برّر رئيس بلدية “رأس بعلبك” قراره العنصري؟

“ممنوع تجول العمال السوريين بعد الساعة السادسة مساء”،  باتت هذه العبارة مكرسة في سياق عمل كثير من البلديات في لبنان كأنها كلام عادي يتم إعلانه بشكل رسمي ويعلق على لافتات يراها العابرون. 

تكرر الأمر على امتداد السنوات الأخيرة وتقاعست وزارة الداخلية عن لعب دورها في منع تلك اللافتات التي تفرض قيوداً عنصرية تمييزية على أشخاص بسبب جنسيتهم وعملهم.

كرست تلك اللافتات مقاربات مقيتة تمارسها بلديات لبنانية تجاه اللاجئين والعمال السوريين في لبنان. جديد القرارات العنصرية التعميم الذي أصدرته بلدية رأس بعلبك بتاريخ 10- 11- 2021، والذي تضمن تحديد أجرة العامل السوري بـ40 ألف ليرة لبنانية يومياً (أقل من دولارين)، وأجرة العاملة السورية في النظافة المنزلية بعشرة آلاف ليرة للساعة الواحدة (أقل من نصف دولار)، فضلاً عن بندين موغلين في العنصرية، يمنع أحدهما تجول العمال السوريين بعد الساعة السابعة مساءً، فيما يحظر الثاني استقبال السوريين لضيوف من خارج البلدة في بيوتهم.

تراجعت بلدية رأس بعلبك عن قرارها هذا، وأدخلت تعديلين بسيطين في بنديه الأولين، المتعلقين بأجور العاملات والعمال السوريين، فيما ألغت البندين المتعلقين بمنع السوريين في البلدة من التجول ليلاً ومن استقبال الضيوف. لكن يبدو أن التعديلات، التي أقدمت عليها البلدية بعد ضغوط من الرأي العام،  ليست تراجعاً عن الخطأ، بل إن رئيس البلدية منعم حنا، يؤكد لـ”درج” أنه غير مقتنع بإلغاء هذين البندين، “لكنني قمت بذلك لكثرة ما طلب مني”، على حد قوله.

بعد التعديل حددت البلدية أجرة العامل السوري ب 60 ألفاً بدل 40، أي حوالي دولارين ونصف، كما حددت أجرة العاملة في النظافة المنزلية ب 15 ألفاً للساعة الواحدة، أي بزيادة بضعة سنتات. يشار إلى أن قيمة الأجر المحددة مرشحة للانخفاض أكثر مع استمرار انخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق السوداء.

مهنا يتهم السوريين بالسرقة والطمع 
يبرر رئيس بلدية رأس بعلبك قراره تحديد أجر العامل السوري بأن الأخير بات يطلب مبالغ مرتفعة لقاء عمله لأنه يتلقى مبالغ بالدولار الأميركي من المنظمات الدولية: “العامل السوري يطلب مبلغاً يتراوح بين 150 و200 ألف كأجر يومي”، يقول مهنا. ويتابع حساباته ونسج المقارنات: “أنا متقاعد يبلغ راتبي 60 ألفاً في اليوم، أما السوري فيتلقى من الأمم المتحدة 100 دولار بالإضافة إلى 25 دولار عن كل ولد، لديهم على الأقل 8 أولاد، مع زوجته يصبح مجموع ما يتقاضونه 360 دولاراً. الدولار اليوم يساوي 25 ألفاً إذاً يقبضون حوالي 9 ملايين بينما يقبض الشرطي في البلدية مليوناً”. ويتهم رئيس البلدية المنظمات الدولية بأنها “طمّعت” العمال السوريين إذ بات أغلب موظفيها من الجنسية السورية، وفق قوله.

الأخطر من حسابات مهنا غير الدقيقة والقائمة على عنصرية واضحة، تعميمه تهمة السرقة على جميع السوريين في البلدة. وبهذه التهمة يبرر قراره منع السوريين من التجول واستقبال الضيوف ليلاً، والذي ألغاه على مضض: “ليش في جريمة صارت إلا وفيها سوريين؟”، يسأل رئيس البلدية مشيطناً شعباً كاملاً، ويعتمد على هذه التهمة الشمولية ليقول إنه لا يرى داعياً لخروج السوريين من منازلهم بعد انقطاع الكهرباء عند الثانية عشرة ليلاً.

وعن دور الأجهزة الأمنية بمعالجة مشكلة السرقات بدل سجن السوريين في منازلهم، يؤكد مهنا أن قوى الأمن الداخلي واستخبارات الجيش لا تتجاوبان مع طلباته لمنع السرقات.

منطق شرس”.. والأضعف بمواجهة الأضعف منه 
منذ العام 2011 لجأ الى لبنان أكثر مليون لاجئ سوري وهو أمر أثار موجات من العواصف السياسية التي تعتبر وجودهم خطراً ديمغرافيا واقتصادياً على لبنان. هذه المقاربة التي كررتها شخصيات وأحزاب في السلطة تتجاهل كل أسباب اللجوء السوري، وواضبت على  تحميل اللاجئ تبعات الحرب والدمار في بلده وفي لبنان ايضاً وما قرارات البلديات سوى استكمال لمسار تحميل اللجوء السوري أعباء الأزمات اللبنانية.

ترفض الباحثة في منظمة العفو الدولية سحر مندور، ربط أجر العامل بوضعه وإنما بالعمل الذي يقدمه: “للأسف دخل لبنان في أزمة أسطورية ضخمة اقتصادياً في ظل غياب تام لإدارة الدولة عن ملف اللجوء منذ بداياته. فهي لم تعتمد سياسة شاملة تستوعب حاجات المجتمع المضيف وحاجات اللاجئين، وهو ما يضع المواطنين في لحظة الانهيار وغياب الدولة بمواجهة لاجئين يتلقون مساعدات دولية. كما توكل إلى البلديات سلطات لا يفترض أن تناط بها”.

مندور ترى أن “السلطة التي تفرض عشوائياً” هي بمثابة قانون غاب: “أي شكل من أشكال السلطة إن اتخذت شكلاً عنصرياً أو تمييزياً تصبح هي القانون ويصبح أي شكل من أشكال العدالة، كالمساعدات التي تصل للاجئين، ظلماً”.

وتشير إلى أن المواطن بات ينظر إلى قيام المنظمات الدولية بواجبها تجاه اللاجئين بمقابل غياب دولته عن القيام بواجباتها تجاهه وكأنه تمييز ضده، “ما يضعه بوجه اللاجئ فيسعى لفرض سلطته عليه، هو وضع غير سوي يجعل الضعيف يتحكم بالأضعف في منطق شرس”، بحسب مندور.

المصدر: موقع درج