• بحث
التسويات مشروع إيراني للتغيير الديموغرافي ومفهوم إجرامي للنظام السوري والأسد نفذها على طريقة المافيا
مقام السيدة رقية في دمشق- صوت العاصمة

التسويات: مشروع إيراني للتغيير الديموغرافي ومفهوم إجرامي للنظام و “الأسد” نفذها على طريقة المافيا

تكتيك يحول المدن الثائرة إلى سجون وأهلها إلى أسرى خيارات الاعتقال أو التجنيد

لم تنته مأساة السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة بشار الأسد بانتهاء عمليات التهجير القسري لنسبة كبيرة من مدنييها مع مقاتلي المعارضة المسلحة نحو شمالي البلاد. إذ أن حكومة دمشق حولت تلك المدن والبلدات إلى سجون، وجعلت من أهلها أسرى، في حين أن مصطلح «التسويات» الذي أطلقه النظام للسماح لأبناء تلك المناطق بالعودة إلى الحياة الطبيعية بعد التحقق من نشاطاتهم السلمية وصولًا للعسكرية، لم يكن سوى شكل جديد للتعذيب والمحاسبة، انتهاء أما بالاعتقال أو التجنيد، فيما وصفت مصادر حقوقية سورية التسويات بـ»المفهوم الإجرامي» وارتكب الأسد ونظامه فيها انتهاكات خطيرة للقانون الدولي.

في بداية عمليات «التسوية» اعتقدت نسبة عظمى من السوريين الذين فضلوا البقاء في مدنهم على التهجير نحو الشمال السوري، أن ورقة التسوية هذه ستمنحهم سبيلا للنجاة من الاعتقال أو وسيلة للتنقل بين المدن ببعض الأريحية، إلا أن النظام كثف من حملاته الأمنية ضدهم، فاعتقل وأخفى العشرات من الذين نالوا «ورقة التسوية» حتى أن أجهزة الأسد الأمنية اعتقلت العديد من المدنيين بسبب صلات قرابة مع شخصيات معارضة له.

فالنظام عاقب حسب تقرير لـ «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» المعارضين السياسيين له بشتى الأساليب، ولعلَّ استهداف العائلة والأصدقاء والأقرباء كان من أشدِّ الأساليب وحشية، الأمر الذي يُشير إلى أنه ليس نظاما سياسيا دكتاتوريا فحسب، بل أن هذه التصرفات الهجمية عادة ما تلجأ إليها عصابات المافيا.

وطبقاً للمصدر الحقوقي، فإن ما لا يقل عن 20847 شخصاً بينهم 13 طفلاً و27 سيدة لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري لدى قوات النظام السوري على خلفية صلات القربى التي تربطهم بنشطاء في الحراك الشعبي أو معارضين للنظام السوري منذ آذار/مارس 2011 حتى 21/ أيار/مايو 2021 ويشكلون قرابة 16 في المئة من حصيلة المعتقلين أو المختفين قسرياً لدى قوات النظام، ومن بينهم ما لا يقل عن 137 شخصاً تجاوزت أعمارهم السبعين عاماً.

بينما بلغت حصيلة من تعرضوا للاعتقال على خلفية صلات قربى تربطهم بمطلوبين للنظام وأفرج عنهم لاحقاً ما لا يقل عن 7929 شخصاً بينهم 147 طفلاً و180 سيدة.

ويشير التقرير الحقوقي، إلى اتباع النظام السوري لأساليب عصابات المافيا عبر تهديد المعارضين السياسيين بقتل واغتصاب واعتقال عائلاتهم، ولم يسلم من ذلك النساء والأطفال.

كما اتبع تكتيك اعتقال وإخفاء وتعذيب أهالي الأشخاص الناشطين في الحراك الشعبي بشكل واسع ومدروس، من أجل ردعهم ومعاقبتهم على نشاطهم ضده، وإرهاب شرائح أخرى من المجتمع من اتخاذ خطوات مماثلة خشية على ذويهم.

مفهوم إجرامي
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، قال في تصريحات خاصة بـ «القدس العربي»: «مصطلح (التسويات) بالأصل يحمل مدلولا مضللا اتبعه النظام، فهذه الكلمة هي مفهوم إجرامي غلفه الأسد بهذا المصطلح، وهي معادلة تنطبق على ما فعله حزب البعث في سوريا سابقًا، إذ أدعى وجود حرية في البلاد، بينما في الواقع لا يوجد سواه في المشهد، وحارب كل من عارضه».

حزب البعث وضع شعارات «جميلة» ولكنه لم يطبق أيا منها، وكذلك هي التسويات التي يروج لها النظام، وكذلك هو الحال بالنسبة لدستور عام 2012 في سوريا، فهو ليس دستورا، إنما هو نص أمني، وكل ذلك مجرد تضليل.

فالتسويات تمت بالإجبار والإكراه وتهديد الحياة، إذ أن جيش الأسد وضع السوريين ما بين قصف حتى الموت أو تهجير قسري، وهما خياران لم يكن لهما ثالث.

لكن القانون الدولي واضح كليا في هذا الاتجاه حسب عبد الغني، ففي موضوع الحصار لا يوجد إجلاء للسكان، ويتوجب إدخال المساعدات. كذلك يجب أن تتاح لكل مدني الحرية بالتنقل، لكن ما فعله النظام في المدن السورية يرقى إلى مستويات الإبادة الجماعية، والسبب هنا هو عدم وجود قوة رادعة لانتهاكات الأسد، وهنا الأمثلة كثيرة من ريف دمشق إلى حمص وسط البلاد وغيرها من المناطق.

وبعد مرور عدة سنوات من فرض سياسة الحصار القاتل ضد السوريين لم يتحرك المجتمع الدولي لانقاذ المدن والبلدات المحاصرة، وتمت صفقة الأسد الإجرامية، والتي يطلق عليها مسمى «تسويات» فهذه الجرائم جردت عشرات آلاف المدنيين من منازلهم واقتلعتهم من مدنهم، ومن يبقى فهو عرضة للاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب.

حرب غير عسكرية
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أكد أن النسبة العظمى من المعتقلين في مناطق سيطرة النظام، هم من أبناء ما يسمى بـ «التسويات» فأجهزته الأمنية تلاحق المدنيين الذين قاموا بحركة نزوح داخل خريطة نفوذه.

إضافة إلى تعمده إذلال المناطق التي ثارت ضده في السنوات السابقة، وتعمد تطبيق مخططات التضييق عليهم بشتى الوسائل المتوفرة بين يديه من الخدمات إلى العمل.

سياسة الأسد ضمن مدن وبلدات التسويات مفتوحة الاحتمالات، فبعد قيامه بإنهاء المجتمع المقاوم، بات السكان تحت قبضته الأمنية والعسكرية، يجند منهم ما يستطيع، ويعتقل من يريد، ومنع عنهم الخدمات التي اتخذها كأداة عقابية بحقهم، وهي بالمحصلة كانت -»التسويات»- تجارب كارثية.

مشروع إيراني
في دراسة أعدها مركز «جسور» حول التسوية والمصالحات في سوريا، أشار المركز إلى أن أصل الفكرة إيراني وذلك مع مطلع عام 2012 إذ سعت طهران أذرعها لإنجاز أكبر قدر مؤثّر منها إبان مساندتها العسكريّة للنظام.

إلا أنها لم تحقّق أيّ إنجازاتٍ فعليّة تُذكَر في هذا الإطار، وقد كان لتطوير روسيا هذه الاستراتيجيّة ورفدها بفواعل اجتماعيّة متوازية مع الضغط العسكريّ وجمود الحراك السياسيّ الأثر البارز في توقيع اتفاقات تسوية مختلفة في درعا ودمشق وريفها.

عمليا؛ فإنّ السياق الذي يحيط عمليّة المصالحات والاغتيالات المنفّذة ضد الشخصيات التي أسهمت فيها، سواء كانت من جانب النظام أو الفصائل المسلّحة، تشير إلى وجود توجّهٍ فعليّ لإغلاق ملفّ المصالحات وضبط الواقع الداخليّ من خلال توسيع دائرة السيطرة الأمنيّة وتدعيم الجناح الإيرانيّ في الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة داخل النظام، لتعزيز مصالحها وتوسيع دائرة تأثيرها في مختلف الملفّات الداخليّة.

من المحتمَل أن تؤثّر عمليات الاغتيال التي تستهدف رموز المصالحة في إنشاء وتدعيم شبكة جديدة من المستفيدين من الجانب الإيراني، سواء من الجانب الديني أو الأمني أو الاجتماعي، ممّا يعود بالفائدة المؤكّدة على سياسة إيران في التغلغل الاجتماعي وتعزيز الحضور العسكري والتغيير الديموغرافي في مناطق المصالحات التي تشكّل أولويّة استراتيجيّة لها، خاصّة مدينة دمشق ومحيطها ومحافظة درعا والقنيطرة القريبتين من حدود الجولان المحتلّ، حسب مركز «جسور» للدراسات.

الوقت لمواجهة الأزمات
اعتمد النظام السوري حسب الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، على معالجة الأزمات التي يواجهها بالمراهنة على الوقت، ومراهنته هذه بدت أكثر وضوحا واستخداما لمواجهة التحديات التي برزت بعد مطلع العام 2011 ويستخدم لأجلها أساليب متعددة في المناورة والالتفاف، والتسويات التي ابتدعها إلى جانب حليفه الروسي تندرج تحت هذا الإطار، ولجأ إليها لانها تحقق له غايات متعددة أهمها.

كما عمل على تصنيف وفرز من بقي إلى عدة فئات على أسس أمنية «متخلفين عن الخدمة الإلزامية – عمل مع فصائل المعارضة العسكرية سابقا- عمل في المجالس المحلية للمعارضة» وبذلك تحولت بطاقة التسوية التي يحملها هؤلاء المواطنون إلى تهديد واضح من قبل حواجز النظام. ومن جانب آخر فإن حاملي بطاقة التسوية هم مصدر للمعلومات للنظام من خلال اعتقالهم وتهديدهم أثناء التحقيق معهم.

مراقبة وعنصرية
يعمل النظام اليوم على تتبع أخبار المهجرين خارج مناطقه، ومحاولة التواصل مع البعض أو عن طريق أقاربهم لاقناعهم بالعودة لسببين الأول، ايهام دول العالم أنه حريص على السوريين، كالمسرحية التي نفذها بالتعاون مع روسيا في عقد مؤتمر لإعادة اللاجئين، والثاني تشكيل حالة نفسية لدى المهاجرين بسطوة النظام وقدرته وصولا لتكوين قناعة لديهم بالعودة إليه صاغرين.

إذ يعتمد الأسد وفق ما قاله الباحث حوراني لـ «القدس العربي» على سياسة عنصرية للغاية في دمشق، وخاصة مدن وبلدات الغوطة، فهو أطلق يد الأمن والميليشيات، إضافة لذلك يعمل على توظيف معلمين في مدارس تلك البلدات من الموالين له، وهؤلاء المعلمون يقومون باستجواب الأطفال حول توجهات والديهم السياسية، واعتقال البعض على هذا الأساس.

تفتيت النسيج الاجتماعي
لعبت أجهزة الأسد الأمنية دورا هاما في تفتيت النسيج الاجتماعي، سواء كان المناطقي أو العشائري أو الديني، رغبة منه بعدم السماح بتشكيل حالة وطنية تعمل على تذويبه وانهياره.

لذلك يمعن باستخدام كافة الأساليب لإرهاب النسيج المجتمعي، ويعتم على استخدام العنف للحفاظ على تماسكه، وليس إعطائه حقوقه وحريته.

فيما يرى المحامي السوري وعضو مجلس فرع حماة للمحامين الأحرار عبد الناصر حوشان، أن المصالحات والتسويات، ليست إلا الوجه السيء للنظام السوري، الذي تولت روسيا تحسين صورته عبر رعايتها اتفاقيات الهدن والمصالحات.

مضيفا، الحقيقة هذه لم تكن تسويات بالمعنى الحرفي للكلمة أي إنهاء الخصومة وإنما كان ظاهرها ذلك وحقيقتها خفض منسوب المقاومة ضد النظام وسحب السلاح من الثوار الذين قبلوا بها، وكان للأسد ذلك، وكان أيضا من نتائجها ترحيل وتهجير من رفض هذه التسويات إلى الشمال السوري، مما جعل الإيرانيين يفكرون بملء هذا الفراغ عبر عملية التغيير الديموغرافي والاجتماعي في أهم المناطق السورية وهي مناطق جنوب دمشق والغوطتين الغربية والشرقية وحمص وحماه وحلب وغيرهم.

ويقول المحامي لـ «القدس العربي»: اليوم أصبح مركز مدينة دمشق محاطا بسور مذهبي إيراني من كافة الاتجاهات بعد تهجير الفلسطينيين من مخيم اليرموك وفلسطين حيث تم وصل السيدة زينب بحي الميدان والسيطرة على مدن وقرى الغوطة الشرقية عبر إجبار الأهالي على بيع عقاراتهم للمسؤول الإيراني عن هذا الملف.

واستطرد قائلا: «يمكننا القول بأن التسويات والمصالحات التي قام بها النظام السوري ليست إلا إحدى أدوات التغيير الديموغرافي، عبر طرد وتهجير من يرفض النظام وإيران، وكذلك الضغط على من تبقى أو قبل البقاء بالدخول في المشروع الإيراني والتشيّع تحت طائلة الاعتقال والقتل أو التجنيد».

المصدر: القدس العربي