• بحث

يهود دمشق: ممتلكات منهوبة وحقوق مسلوبة، وشعائر على شفير الانهيار

خاص – صوت العاصمة

لم تستطيع أبواب حارة اليهود التي ما زالت مفتوحة أمام جميع المارة كغيرها من حارات دمشق القديمة، ولا العلاقات الودية والوثيقة التي تربط يهود دمشق ببقية سكان الحي من الطوائف الدينية الأخرى، حماية أبناء الطائفة من عمليات السلب والسرقة والتضييق المُمنهج، الذي يتعرضون له من قبل حكومة النظام، بالتنسيق مع كبير طائفتهم، في وقت أمست فيه إقامة شعائرهم الدينية مُهددة بسبب نقص عدد أبناء الديانة في الحي، بحسب عقائدهم.

معالم يهودية قائمة في دمشق:
تحوي مدينة دمشق أكثر من ثمانية معابد يهودية “كنيس”، تهدّم أحدها بشكل كامل خلال العمليات العسكرية التي شهدها حي جوبر الدمشقي، وأخرى قائمة في حارة اليهود، لا تُفتح سوى في المناسبات والأعياد الرسمية، أبرزها كنيس “الفارحي”، المعروف باسم كنيس “الفرنج” الدمشقي، وهو الكنيس الوحيد الذي لم يُغلق أبوابه أمام الزائرين من الديانات الأخرى حتى اليوم، إلا أنه يُمنع دخول أي شخص ما لم يتواجد أحد يهود دمشق داخله، ولا سيما كبير اليهود “ألبير قمعو” أو شقيقته “راشيل” اللذان يستحوذان على مفتاحه.

كنيس الفرنج الأثري يُعتبر الشاهد الوحيد على بقاء أصحاب الديانة اليهودية في دمشق، تأسس على أيدي يهود الأندلس أواخر القرن الخامس عشر، حين فروا إلى دمشق نتيجة الاضطهاد الذي تعرضوا له من قبل الإسبان عقب سقوط الأندلس، وقام أبناء الطائفة بإعادة ترميمه في فترة الحكم العثماني أواخر القرن التاسع عشر، ليُمسي في شكله الحالي.

ما يزال كنيس الفرنج يستقبل المصلين اليهود القاطنين في دمشق، وتُقام فيه الشعائر الدينية بشكل أسبوعي، يحضرها حاخام يهودي تركي بين الحين والآخر، بتسهيلات من حكومة النظام، ويقوم بدوره بذبح عدد من المواشي لتوفير كميات تكفي القاطنين لفترة طويلة، كونهم يمتنعون عن تناول الطعام عند الآخرين، أو الذبح بأياديهم وفقاً لمعتقداتهم الدينية التي تخص الحاخام وحده بالذبح.

تعرض الكنيس خلال السنوات الأخيرة للعديد من محاولات الاستملاك من قبل بعض المتنفذين، بمساعدة قمعو الذي اتهمه يهود دمشق بتزوير أوراق رسمية تخص أملاك الطائفة خلال سنوات الحرب الدائرة، باع بموجبها أملاك وعقارات تعود ليهودٍ مهاجرين، وسهَّل من خلالها عمليات استثمار المنازل الفارغة.

حارة اليهود تضم معابد أخرى أحدث من كنيس الفرنج، لكنها مغلقة منذ سنوات، كالمعبد الموجود داخل مدرسة “ابن ميمون” الذي أُغلق مع المدرسة لأسباب لم تُعلن، والكنيس المُشاد على الحائط الخارجي لسور دمشق القديم، وآخر في الجهة المقابلة للكنيسة المريمية، والذي أُغلق منذ قرابة العشر سنوات.

كنيس الفرنج الأثري في دمشق القديمة - صوت العاصمة
كنيس الفرنج الأثري في ددمشق القديمة – صوت العاصمة

سلب وابتزاز برعاية كبير الطائفة:
كبير اليهود في دمشق “ألبير قمعو” سعى لتأجير العديد من المنازل في حارة اليهود لعائلات دمشقية وشركات إنتاج تلفزيوني وسينمائي، وتكاد المنازل لا تخلو من عمليات التصوير على مدار العام.

مصادر مُطلعة قالت لـ “صوت العاصمة” إن الكثير من الشكوك تدور حول ذهاب عائدات إيجارات المنازل إلى حساب كبير الطائفة الشخصي، على خلاف ما يدعيه بإرسال الأموال إلى أصحاب المنازل المغتربين، مؤكدةً أن العشرات منهم توفوا في بلاد المهجر، دون ظهور أي وريث لهم حتى الآن.

فردوس ملاخ، إحدى السيدات اليهوديات القاطنات في دمشق، اضطرت العام الفائت لترميم منزلها الذي كان معرض للانهيار الكامل، ونظراً لأوضاعها المادية المتردية، وارتفاع تكاليف البناء والترميم، طلبت المساعدة من صندوق الجالية، إلا أن قمعو رفض ذلك، مبرراً بعدم توفر الأموال في الصندوق، ما جعل إشارات الاستفهام كثيرة حول واردات منازل حارة اليهود المستثمرة.

معاناة فردوس وصلت لعدة جهات نافذة في المنطقة، وحصلت على مساعدات من جمعية مسلمة قبل تدخل أحد أبناء طائفتها في حل مشكلة ترميم المنزل، حيث تقدم حينها مع بقية يهود الحي بشكوى لمسؤولي صندوق التبرعات الموجود في عهدة حكومة النظام، بإشراف لجنة مختصة، وتمت إعادة النظر في بعض الإجراءات المتعلقة بإعادة ترميم المنازل التي ما زال أصحابها قاطنين فيها.

كذلك السيدة اليهودية روزا التي تعيش مع شقيقتها هدية في منزل داخل الحارة ذاتها، وتبادل قاطنيها من الديانات الأخرى علاقة مودة جميلة بحسب وصف الأهالي، كانت مالكة لأحد أبرز منازل حارة اليهود في العاصمة دمشق، والذي أجبرت على بيعه تحت ضغط ألبير قمعو كبير الطائفة لشخص من شيعة العراق يدعى “مشعان الجبوري” وشركائه من الجنسية السورية، الذين حولوه بدوهم إلى فندق أطلقوا عليه اسم “تاليسمان”.

كان الفندق العائدة ملكيته سابقاً لأحد أبناء عائلة شطاح اليهودية، العاملين في صياغة المجوهرات، أشبه بالقصور الأثرية.

منزل مهجور ومدمّر يعود لعائلة دمشقية يهودية – صوت العاصمة

شعائر دينية مهددة:
إقامة الشعائر الدينية ليهود دمشق الذين ما زالوا يقطنون في منازلهم باتت متعلقة بوفاة شخص واحد، بعد تناقص عددهم منذ مطلع العام الجاري إلى 15 شخص فقط، بينهم 11 رجلاً و4 نساء، أصغرهم “عيد خياط” البالغ من العمر 67 عاماً، بعد وفاة “جوزيف حمرا” في كانون الثاني من العام الجاري، وشقيقته “نظلي حمرا” أواخر شهر أيار الفائت، كون صلاتهم تُعد باطلة في حال لم يتوفر فيها عشرة ذكور، بحسب معتقداتهم الدينية.

منزل مغلق لصالح اللجنة العليا لشؤون اليهود في دمشق القديمة – صوت العاصمة

علاقات وثيقة مع الديانات الأخرى:
أجرت الصحفية البريطانية ” Brigid Keenan” خلال زيارتها للعاصمة، إحصائية للعائلات اليهودية القاطنة في منازلها داخل أسوار دمشق القديمة، وثقت فيها عائلات استمبولي، وفارحي وجوزيف عنبر ولسبونة وتوتة وعدد من العائلات الأخرى.

منزل “نيادو” أو “لينادو” المعروف بـ “منزل استمبولي” في حارة اليهود جنوب الشارع المستقيم داخل سور دمشق القديمة، إلى الشرق من شارع الأمين، أحد أشهر المنازل في الحي، إلى جانب منزل واقع عند تقاطع شارع الأمين مع مدحت باشا، يتشارك جداره مع المدرسة اليوسفية، وتعود ملكيته لحاخام يهودي أورثه لأحد الدمشقيين المهاجرين إلى أمريكا، إلا أن كبير الطائفة “ألبير قمعو” استولى عليه وأفرغه من محتوياته منذ سنوات.

أحد أهالي حارة اليهود من الديانات الأخرى قال لـ “صوت العاصمة” إن حارتهم تتمتع بخليط طائفي وثيق، غير موجود في أي مكان آخر، مشيراً إلى أن الحارة تحوي سكان من الطوائف السنية والشيعية، والأرمن والكاثوليك والسريان من الديانة المسيحية، إضافة لبعض العائلات من الطائفة الدرزية.

حي النوفرة في دمشق القديمة – صوت العاصمة

سيطرة إيرانية وتهريب للآثار:
في الآونة الأخيرة، دخل شيعة دمشق وإيران إلى حارة اليهود بتسهيلات أمنية من ضباط موالين للقوات الإيرانية، واحتلوا عدداً من المنازل، قبل تحويلها إلى مقرات للحرس الثوري، وأخرى لغرف عمليات ومراقبة تمركز فيها قيادات الحرس الثوري في ظل المعارك التي كانت تدور في حي جوبر الدمشقي.

مصادر صوت العاصمة قالت إن الميليشيات الإيرانية أقامت العشرات من عمليات الحفر وسلب الآثار من المنازل التي سيطرت عليها، ثم عملت على تهريب كميات كبيرة منها، ما خلق خلافاً مع الأفرع الأمنية في النظام السوري.

وأضافت المصادر أن دوريات تابعة للشرطة العسكرية الروسية أجرت جولات في حارة اليهود خلال ليالي أعياد الميلاد، رصدت خلالها تجاوزات الميليشيات الإيرانية في الحي، عقب ورود شكاوى عديدة من الأفرع الأمنية حول ارتكاب الإيرانيين تجاوزات دينية، ما دفعها لطرد المتبقين في الحي، بعد أشهر على إخراج الأفرع الأمنية للقوات الإيرانية من حارة اليهود بحجة انتهاء العمليات العسكرية في المنطقة.

سيطرة شيعية واضحة في محيط حارة اليهود – صوت العاصمة

تضييق ممنهج على مر السنين:
تحدث الكثير من المؤرخين عن اضطهاد اليهود في سوريا، إضافة لتدوين احداث كنيس “المنشارة” في دمشق عام 1949، وأحداث الزبداني عام 1974، وما تخللها من تداعيات وجرائم ارتكبت بحقهم، وصولاً لبداية التسعينيات التي اعتبرت عام الهجرة.

قديماً، أصدر النظام الحاكم قرارات منع فيها يهود دمشق من العمل في العديد من الوظائف الحكومية، وجمد أرصدتهم المالية في المصارف، وحظرهم من تحويل الأموال، إلى جانب منع السفر واستصدار رخص القيادة، لينتهي به الأمر في وضع علامات مميزة على بطاقاتهم الشخصي التي كُتب عليها “موسوي” باللون الأحمر، إضافة لمنعهم من أداء الخدمة العسكرية خوفاً من التعامل مع إسرائيل.

ورفع النظام منع السفر عن يهود دمشق، بالتزامن مع تضييق الخناق عليهم، في إشارة منه لدفعهم إلى الهجرة التي باتت الحل الوحيد لمتابعة حياتهم، تبعها قرار منعهم من الابتعاد عن مساكنهم أكثر من 5 كيلومترات.

أواخر الثمانينات، أُبرم حافظ الأسد اتفاقية قضت بإخراج أبناء الديانة اليهودية من سوريا، أُخرج خلالها نحو 500 فتاة، تبعها إخراج من تبقى في البلاد بعد مؤتمر أوسلو في تسعينيات القرن الماضي.

وكان اليهود سابقاً من أغنياء البلاد، حيث ملكوا معظم المحلات التجارية في القصاع ودمشق القديمة، إلا أن أوضاعهم المادية دفعت النظام السوري لفرض دفع مبالغ مالية كوديعة لدى الدولة أثناء التقدم بطلبات الهجرة، لإجبارهم على العودة إلى البلاد، لكن معظمهم دفعوا تلك المبالغ ولم يعودوا للمطالبة بها، بحسب مصادر صوت العاصمة.

وقال أحد الدبلوماسيين السوريين في واشنطن لـ “صوت العاصمة” إنه لبى دعوة عشاء للجالية اليهودية الدمشقية في أمريكا، وأعرب عن تفاجئه بمشاهدة صورة لحافظ الأسد في منازل بعضهم.

وأضاف الدبلوماسي إن يهود دمشق المهاجرين ما زالوا متمسكين بلغتهم العربية، ويتداولونها باستمرار في أحياء بروكلين الأمريكية، إضافة لاعتنائهم بالمطبخ الشامي، لافتاً أنهم أعربوا عن حبهم لدمشق وأمنياتهم بالعودة إليها.

حارة اليهود في دمشق القديمة – صوت العاصمة

بصمة يهود دمشق ما زالت قائمة:
رغم هجرتهم جميعاً، ما زالت أعمال وأسماء يهود دمشق تُذكر بين قاطنيها حتى اليوم، ففي سوق النحاسين ما زال اسم “موريس نصيري” صاحب أحد أكبر المحال في دمشق القديمة، والمعروف باسم “بازار أمية للشرقيات” الذي أُغلق قبل سنوات يذكر بين أصحاب الكار والهواة.

موريس رحل إلى نيويورك، لكن أعماله في فندق الشام والشيراتون، وأبواب ونحاسيات كنيس الفرنج وكنيس آخر في حارة اليهود ما زالت قائمة حتى اليوم، إلى جانب أعماله في شيراتون دبي، في حين يُذكر والده كأحد أوائل من أدخلوا فوانيس الإنارة إلى دمشق عام 1910.

منزل يعود لعائلة فارحي باشا اليهودية الدمشقية – صوت العاصمة

أيضاً، الفنان “روحي الدهان” الذي اشتهر في مجال النجارة العربية، المعروفة باسم “الخيط العربي” والفسيفساء والزخرفة الدمشقية، ترك بصمة جميلة له في مجال أعماله في عدة منازل عربية قديمة وكنائس في العاصمة دمشق، وأقام معرضاً في مدينة بروكلين الأمريكية التي توفي فيها قبل قرابة العامين.

واشتهر يهود دمشق في مجالات الطب والصيدلة، حيث اشتهر بينهم الطبيب “نسيم حاصباني” الذي تعالج لديه قرابة نصف سكان دمشق قبل هجرته إلى الولايات المتحدة.

اعداد وتحرير: فريق صوت العاصمة

  • 698
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    698
    Shares