بحث
بحث

أن تحصل على منزل للإيجار في دمشق فقد حققت أحد أكبر أحلامك


صوت العاصمة – خاص
منذ أن بدأت مدينة دمشق تشهد موجة نزوح من الريف القريب والمحافظات الأخرى، أخذت إيجارات المنازل ترتفع شيئاً فشيئاً، ومع الهبوط المستمر للعملة السورية أصبحت أجرة المنزل كبيرة جداً بالنسبة لدخل المواطن المهُجر من منطقته بفعل آلة الحرب، وحتى إن كان من المقتدرين مادياً، فلديه صعوبات أخرى تتمثل بالعثور على المنزل المناسب، وحتى إن حصل على المنزل المناسب سيبقى تحت رحمة الأفرع الأمنية للحصول على موافقة سكن، وربما سيُعطى الموافقة، وربما لا.

أصحاب المنازل والمكاتب العقارية بلا رحمة وبلا قلب، هكذا وصفهم الرجل الخمسيني الذي نزح من الغوطة الشرقية ليستقر في إحدى حارات دمشق القديمة، في غرفة ضمن منزل مشترك تقطنه عدة عوائل، غرفة واحدة تكفيه وزوجته وابنته، بكلفة 30 ألف ليرة شهرياً شاملة فواتير المياه والكهرباء، فيقول الخمسيني الذي يعمل على تكسي للأجرة: هذا كفر ولا يجوز، أي زمن نحن فيه، صاحب المنزل مدعوم من قبل الميليشيات التي تسيطر على الحي، قام بتقسيم منزله العربي القديم ليتسع لأكثر من خمس عوائل ليس لهم مأوى إلا غرف الأجرة، ومبلغ ثلاثين ألف ليرة شهرياً مبلغ ضخم جداً ولو أننا لا أعمل طيلة النهار وجزء من الليل على سيارة الأجرة، وابنتي تعمل أيضاً، لن نستطيع سد إيجار الغرفة فقط بدون تكاليف المعيشة اليومية.

في المقابل يرى تاجر العقارات “ابو محمود” أن الارتفاع الذي جرى يتناسب مع هبوط قيمة الليرة السوري، فعلى سبيل المثال المنزل الذي يؤجر اليوم ب 50 الف ليرة، كان قبل الحرب يؤجر ب 5 آلاف، وبالحساب على العملة الصعبة نجد أن المبلغ ذاته لن يتأثر، ولسنا مضطرين لمراعاة أحد، فكل شخص عليه أن يعرف ظروفه والمكان الذي يجب أن يستأجر فيه، فنحن أيضاً لدينا تكاليف سنوية باهظة ورشاوى و أتاوات تُدفع للأفرع الأمنية، فضلاً عن مصاريف الصيانة وغيرها، وكل شيء في البلد ارتفع ثمنه أضعاف مضاعفة، فلما نحن لا ؟؟

وتصل إيجارات البيوت في المناطق الشعبية إلى 40 ألف ليرة سورية شهرياً لشقة بمساحة تقارب 60 متر تقريباً، أما في بعض مناطق حي الميدان قد تتجاوز 100 ألف، ولم تسلم المناطق الجبلية مثل الصالحية وركن الدين والمهاجرين من موجة ارتفاع الأسعار، رغم أنها لم تكن مناطق مقبولة للسكن قبل الحرب بسبب صعوبة الوصول إلى بعض أحيائها، أما المناطق التي تُسمى “راقية” في دمشق، كأحياء المالكي وتنظيم كفرسوسة ومشروع دمر وأبو رمانة وضاحية قدسيا، فقد أصبحت الأسعار فيها جنونية بكل ما تعنيه الكلمة، فلم يعد البعض يتكلم عن إيجار شهري، بس أصبح الرقم يطلب سنوي، فعلى سبيل المثال، شقة في مشروع دمر للإيجار بمليوني ونصف ليرة سنوياً نقداً، فيما يطلب البعض الآخر ستة أشهر فقط بدلاً عن السنة.
وإذا أراد المهجر أن يبتعد قليلاً عن العاصمة، ويتجه إلى قدسيا البلد أو صحنايا أو السومرية، فلن يجد فارقاً كبيراً في الأسعار، ولكن الموافقات الأمنية لربما تكون أسهل من المدينة، والمنازل أكبر، لكن تلك المناطق بالمقابل غير مخدمة وتشهد انقطاعات كبيرة على صعيد الكهرباء والماء.

وعند الانتهاء من معركة العثور على منزل بالمواصفات والسعر المطلوب، تأتي معضلة الحصول على موافقة أمنية للسكن في ذلك المنزل، فكل منطقة أو قطاع تتبع لفرع أمني معين، ولكل منطقة شروط يجب على المستأجر أو يوفرها قبل الحصول على الموافقة، فإن كان من عائلة ريفية فيها عدد كبير من المطلوبين، فلن يحلم بالموافقة في منطقة أمنية أو حساسة مثل المهاجرين، وإن كان من أبناء المناطق الشرقية فالويل له، فهو في نظر حكومة الأسد وأفرعه الأمنية حاضنة شعبية لتنظيم داعش، وهو يشكل خطر على الدولة.
يُعتبر فرع الأربعين المسؤول عن مناطق المهاجرين والعفيف ومحيطها أصعب الأفرع الأمنية في الحصول على موافقة للسكن، حتى مع دفع مبالغ طائلة كرشوة، ليس من المؤكد أن تصدر الموافقة بسبب حساسية المنطقة، وتأتي بعدها الجوية وفرع فلسطين فكل منهم مسؤول عن قطاعه الخاص، أما فرع 215 التابع للأمن العسكري فهو أسهل تقريباً مع دفع الرشاوى المطلوبة لكل موافقة أمنية، وذلك لأن الدوريات التابعة للفرع لا تهدأ ولا تتوقف عن عمليات التفتيش اليومية للمنازل والمحال التجارية والمستودعات، فيبقى كل قاطن للمنطقة تحت نظرهم بشكل يومي، وأما مناطق القطاع الغربي من دمشق التي كنا قد تحدثنا عنها في تقرير سابق، فهي أصعب مناطق الريف بسبب قرب هذه المناطق من تواجد الفرقة الرابعة وثكناتها واطلالتها على طرق التهريب مع لبنان، وسكن كبار مسؤولي نظام الأسد فيها، فمن المستحيل على مواطن عادي الحصول على موافقة بيع أو شراء أو استئجار بدون تزكية من أحد الكبار القاطنين في تلك المناطق.

وبالذهاب إلى سوق البيع والشراء، والذي أصبح حكراً على بعض التجار وحديثي النعمة الذين ظهروا بفضل تجارة الحروب والسلاح في السنوات الاخيرة، ارتفعت الأسعار أضعافاً مضاعفة، وبالعملة الصعبة حصراً، فلا يوجد من يبيع منزل ليقبض ثمنه بالليرة السورية، فتسمع في دمشق بمنازل قارب سعرها مليون دولار أمريكي، وهو مبلغ ليس كبيراً عند بعض تجار الحرب.
هذا هو سوق العقارات في عاصمة الحرب “دمشق” التي احتضنت أكثر من أربعة ملايين مهجر، يعانون الأمرين للحصول على منزل يقيهم النوم على حافة الطريق.