بحث
بحث
الداخلية تنشر فيديو يتضمن اعترافات أمجد يوسف مرتكب مجزرة التضامن - وزارة الداخلية

مجزرة التضامن.. تحقيق يكشف شبكة الأوامر وتناقض رواية أمجد يوسف

كشف تحقيق صحفي موسّع بعنوان “الإضبارة الداخلية لمجزرة التضامن” عن وثائق داخلية صادرة عن شعبة المخابرات العسكرية لدى نظام الأسد عام 2022، تُظهر تفاصيل جديدة حول مجزرة التضامن التي ارتُكبت خلال عامي 2012 و2013، وتفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة سلسلة الأوامر والمسؤوليات داخل الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد.

ويستند التحقيق الصادر عن موقع “الجمهورية”، إلى 22 وثيقة أمنية داخلية، تضم مذكرات وتحقيقات ومراسلات بين فروع المخابرات العسكرية، وتكشف أن ما جرى في حي التضامن لم يكن فعلاً فردياً، كما ورد في اعترافات أمجد يوسف التي بثّتها وزارة الداخلية مؤخراً، بل جزءاً من منظومة أمنية متكاملة شاركت فيها عدة جهات عسكرية وأمنية.

وبحسب التحقيق، فإن الوثائق تتضمن إفادات منسوبة لأمجد يوسف، أحد أبرز المتهمين في المجزرة، تُشير إلى وجود أوامر مباشرة من ضباط في الفرع 227 التابع لشعبة المخابرات العسكرية، إضافة إلى تنسيق مع عناصر من ميليشيا “الدفاع الوطني” والقضاء العسكري وفرع “فلسطين”.

وتُوضح الإفادات أن عمليات القتل والإخفاء مرت بمراحل متعددة بدأت قبل عام 2012، ثم توسعت خلال عامي 2012 و2013 لتتحول إلى عمليات تصفية جماعية منظمة.

ويكشف التحقيق أن عمليات القتل لم تقتصر على الحفرة التي ظهرت في الفيديو المسرّب عام 2022، بل شملت مواقع متعددة في حي التضامن ومحيطه، حيث جرى استخدام حفر جماعية، وأقبية أبنية، وآبار لإخفاء الجثث، إضافة إلى عمليات حرق وتفجير فوق الرفات بهدف طمس الأدلة ومنع انبعاث الروائح، وفق ما ورد في الوثائق الأمنية.

وأشارت الوثائق إلى أن عمليات التصفية كانت تتم عبر نقل المعتقلين من الحواجز الأمنية بواسطة سيارات و”سرافيس” إلى مواقع محددة داخل القطاع، قبل تنفيذ عمليات القتل الجماعي ودفن الجثث في حفر أُعدّت مسبقاً باستخدام آليات حفر ثقيلة، كما تتحدث الإفادات عن وصول باصات تقل مئات المعتقلين إلى المنطقة خلال عام 2013، حيث جرى احتجازهم داخل أقبية ثم تصفيتهم وتفجير الأبنية فوقهم.

وكشفت الإضبارة عن وجود عمليات تصوير ممنهجة لعمليات القتل، نفذها أشخاص محددون بطلب من ضباط أمنيين “للتأكد من تنفيذ الأوامر”، بحسب نص التحقيق، وهو ما يناقض رواية أمجد يوسف الأخيرة التي ادعى فيها أنه تصرف بشكل فردي ومن دون توجيهات عسكرية مباشرة.

وفي جانب آخر، يوضح التحقيق أن شعبة المخابرات العسكرية فتحت تحقيقاً داخلياً عقب انتشار فيديو المجزرة عام 2022، ليس بهدف محاسبة المسؤولين، وإنما لإدارة تداعيات القضية دولياً، وتضمنت إحدى الوثائق توجيهاً واضحاً بإعداد ردود “بمفردات قانونية سياسية” تمنع استخدام التحقيق الداخلي كدليل ضد الدولة أو ضد الشعبة الأمنية، في وقت كانت فيه الأمم المتحدة ودول غربية تطالب بتحقيق دولي في القضية.

وأظهرت الوثائق أن الأجهزة الأمنية ركزت على معرفة كيفية تسريب الفيديوهات أكثر من تركيزها على محاسبة المتورطين، حيث جرى التحقيق مع عدد من عناصر الفرع 227 للاشتباه بصلتهم بتسريب التسجيلات المصورة، قبل أن تنتهي التحقيقات الداخلية إلى نفي تورطهم مع فرض تعهدات بعدم الحديث عن القضية.

ويتوقف التحقيق عند التناقض الواضح بين إفادات أمجد يوسف الواردة في وثائق عام 2022، والتي تتحدث عن أوامر مباشرة وسلسلة قيادة واضحة، وبين اعترافاته المصورة عام 2026 التي حاول خلالها حصر المسؤولية بنفسه، نافياً تلقي أي أوامر من قيادات أمنية أو عسكرية.

ويرى معدّو التحقيق أن أهمية الإضبارة لا تكمن فقط في تفاصيل الجرائم، بل في كشفها لبنية العمل داخل الأجهزة الأمنية آنذاك، وآليات اتخاذ القرار وتنفيذ عمليات القتل والإخفاء الجماعي، إضافة إلى محاولات احتواء القضية سياسياً وإعلامياً بعد انكشافها للرأي العام العالمي.

ويُشير التحقيق إلى أن الوثائق سُلّمت إلى هيئة العدالة الانتقالية ضمن مسار توثيق الجرائم والانتهاكات، وسط دعوات لفتح تحقيق قضائي شامل يشمل مواقع المقابر الجماعية المحتملة، وتتبع سلسلة الأوامر، ومحاسبة جميع المتورطين في المجزرة، وعدم اختزال القضية في متهم واحد أو رواية واحدة.

وأعلنت وزارة الداخلية، الجمعة 24 نيسان الماضي، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المُتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، والتي راح ضحيتها عشرات المدنيين، وذلك خلال عملية أمنية محكمة في سهل الغاب بريف حماة.