فتحت الحكومة السورية تحقيقاً جنائياً واتخذت عدة إجراءات بشأن المقبرة الجماعية التي كُشف عنها مؤخراً في صحراء الضمير بريف دمشق، وذلك بعد تحقيق استقصائي لوكالة “رويترز” كشف أن نظام بشار الأسد المخلوع نفّذ عملية سرية استمرت لعامين بين عامي 2019 و2021، نقل خلالها آلاف الجثث من إحدى أكبر المقابر الجماعية المعروفة في سوريا، الواقعة في منطقة القطيفة بريف دمشق، إلى موقع صحراوي ناءٍ قرب بلدة الضمير.
وبحسب مصادر أمنية وعسكرية لوكالة “رويترز” ، فقد سارعت الحكومة عقب التقرير إلى نشر عناصر الجيش في محيط الموقع وإقامة نقطة تفتيش عند مدخل المنشأة العسكرية، بعد أن ظل المكان لسنوات بلا حماية تُذكر.
وأصبح الوصول إليه يتطلب تصريحاً خاصاً من وزارة الدفاع، تزامناً مع إعادة تشغيل المنشأة كثكنة ومستودع أسلحة منذ تشرين الثاني الماضي.
ونقلت “رويترز” عن رئيس مركز شرطة الضمير جلال طباش قوله، إن فرق التحقيق قامت بتوثيق الموقع عبر التصوير والمسح الأرضي واستجواب شهود لهم صلة مباشرة بمرحلة نقل الجثث، من بينهم أحمد غزال، الميكانيكي الذي عاين عن قرب الشاحنات التي تعطلت خلال عملية “تحريك الأرض”.
ووفق إفادة القاضي زمان العبدالله، المدعي العام في عدرا، فإن المعلومات المتوافرة عن مشتبه بهم من عهد الأسد ـ بعضهم داخل البلاد وآخرون خارجها ـ تخضع للمراجعة، استناداً إلى وثائق حصلت عليها أجهزة أمنية بعد سقوط النظام في نهاية 2024، دون الكشف عن تفاصيل إضافية لحساسية التحقيق.
وفي السياق ذاته، أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين عن خطط لبناء قدرات فنية وإنشاء مختبرات متخصصة بمعايير دولية تمهيداً لبدء عمليات نبش مقابر جماعية، بما فيها موقع الضمير، على أن تبدأ الإجراءات الميدانية بحلول عام 2027 لتحديد مصير آلاف المفقودين.
وكان التحقيق الاستقصائي الذي نشرته “رويترز” قد قاد إلى هذه التطورات و كشف أن العملية السرية حملت الاسم الرمزي “تحريك الأرض”، قد شارك في تنفيذها ضباط من الحرس الجمهوري وسائقون وعمال مدنيون تحت تهديد أمني مستمر.
ومن شباط 2019 حتى نيسان 2021، استمر نقل الجثث لمدة أربع ليالٍ تقريباً كل أسبوع، إذ كانت ستة إلى ثمانية شاحنات محملة بالتراب والجثث تتحرك من قُطَيفة إلى صحراء ضمير، وفق شهادات السائقين والعسكريين، بهدف إزالة دليل كبير على الجرائم التي ارتُكبت خلال حكم النظام المخلوع.
ورصدت وكالة “رويترز”، عبر تحليل مئات الصور الجوية وصور الأقمار الصناعية، ظهور الموقع الجديد في عمق الصحراء، متضمناً ما لا يقل عن 34 خندقاً يصل طول الواحد منها إلى كيلومترين، وتشير أبعاد الحفر وشهادات المصادر إلى احتمال دفن عشرات الآلاف من الضحايا في تلك الخنادق، بينهم سجناء قضوا تحت التعذيب ومعتقلون ومدنيون اختفوا قسرياً خلال حكم بشار الأسد.
وأكدت مصادر عسكرية أن الموقع استُخدم خلال الأعوام السابقة كمستودع ذخيرة، قبل أن يُخلى عام 2018 لتهيئته لتنفيذ عملية النقل التي أُريد لها أن تبقى في طي السرية. غير أن صور الأقمار الصناعية التي التُقطت أواخر 2025 أظهرت عودة النشاط العسكري بوضوح في محيط القاعدة.
ولم تُصدر وزارة الإعلام تعليقاً رسمياً حتى الآن، بينما تواصل فرق الأمن والادعاء مراجعة الملفات المُرتبطة بالمسؤولين المباشرين عن هذه العملية، وعلى رأسهم ضباط تولّوا إدارة اللوجستيات في تلك الفترة.
