صورة تعبيرية ـ موقع درج

هل كانت المساعدات الدولية لتعليم اللاجئين السوريين مجرد مقامرة؟

كان للأزمة الاقتصادية اللبنانية التي قد تكون واحدة من أكثر ثلاث أزمات حدة على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، تأثير مباشر في التعليم، مع عدم التحاق بين 45 إلى 55 في المئة من الأطفال اللاجئين بالمدرسة.

حلت يوم 4 شباط/ فبراير 2022 الذكرى السادسة لمؤتمر المانحين “لدعم سوريا والمنطقة” في لندن، حيث كان اجتمع قادة العالم ودوائر العمل الإنساني وتعهدوا بتقديم مساعدات بـ6 مليارات دولار لعام 2016، إضافة إلى مساعدات مستقبلية تصل إلى 6.1 مليار دولار لعام 2017، لدعم ملايين اللاجئين السوريين المتضررين من النزاع السوري في المنطقة. وتعهد المانحون بتقديم 1.4 مليار دولار لتمويل المشاريع التعليمية داخل سوريا والبلدان المجاورة. والتزمت الجهات المانحة “بحصول 1.7 مليون طفل- أيّ الأطفال السوريين اللاجئين كافة وأيضاً الأطفال المحتاجين في المناطق المُضيفة- على تعليم جيد بنهاية العام الدراسي 2016/ 2017، مع مراعاة المساواة بين الفتيات والفتيان”.

حدد مؤتمر لندن الاحتياجات التعليمية في لبنان بـ350 مليون دولار سنوياً، مع ذلك، أفادت الأمم المتحدة بأن لبنان تلقى 253 مليون دولار من أجل المشاريع التعليمية في 2016 بموجب خطة مساعدة نسقتها الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين، والتمويل المخصص للأنشطة الإنسانية في لبنان خلال مؤتمرات بروكسيل السنوية للاستجابة للأزمة السورية آخذ في التناقص، فقد انخفض من 1.3 مليار دولار في 2017 إلى 944 مليون دولار في 2020. واعتباراً من آب/ أغسطس 2020، تلقى لبنان مساهمات ومنح إجمالية  بلغت 1.3 مليار دولار، منها 944 مليون دولار في 2020 و317 مليون دولار عام 2021 وما بعده.

إذا ألقيت نظرة سريعة على النتائج التعليمية للاجئين السوريين ستجد أن أكثر من نصف الأطفال في سن المدرسة (من عمر 3 إلى 18 سنة) غير ملتحقين بالمدارس (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 2021). وتظهر أحدث إحصاءات من وزارة التربية والتعليم العالي -من عام 2019، قبل اندلاع جائحة “كورونا”- أن 60 في المئة من اللاجئين السوريين كانوا ملتحقين بالتعليم الابتدائي، في حين أن 4 في المئة منهم فقط كانوا ملتحقين بالتعليم الإعدادي والثانوي، وهو ما يشير إلى معدلات عالية من التسرب أو الانقطاع عن التعليم.

أثرت الأزمة الاقتصادية اللبنانية وجائحة “كورونا” كثيراً في التحاق اللاجئين بالمدارس، بل في الأطفال اللبنانيين أنفسهم. فقد كان للأزمة الاقتصادية  اللبنانية التي قد تكون واحدة من أكثر ثلاث أزمات حدة على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، تأثير مباشر في التعليم، مع عدم التحاق بين 45 إلى 55 في المئة من الأطفال اللاجئين بالمدرسة، وانقطاع حوالى 30 ألف طالب عن الذهاب إلى المدرسة في العام الدراسي السابق دون إعادة الانتساب خلال العام الدراسي 2020/ 2021.

وفقاً لدراسة أعدها مركز الدراسات اللبنانية، انقطع 43 في المئة من الطلاب اللاجئين المسجلين في فترات الدراسة المسائية عن الذهاب إلى المدرسة خلال الإغلاقات التي ترتبت على “كورونا”، بينما بلغت نسبة الطلاب المتسربين من الفترات الصباحية 30 في المئة.

منذ مؤتمر لندن للمانحين، لم  تتحسن فرص الوصول إلى التعليم الجيد، بل شهدت تدهوراً كبيراً. خذل المجتمع الدولي الطلاب/ الدارسين من اللاجئين وكذلك الفئات الضعيفة في المجتمع اللبناني. كانت التعهدات غير واقعية ولم يصل التمويل إلى الحد المأمول مطلقاً. وثبت أن  شعار “#لا_لضياع_جيل” كان مجرد سفسطة. 

بالنسبة إلى العاملين في هذا المجال منذ بداية الأزمة، فإن النتائج المشار إليها سابقاً ليست مستغربة. بعد الاطلاع على هذه النتائج، لا يسع مها (المؤلفة الرئيسة لهذا المقال) سوى تذكر المقابلتين اللتين أجرتهما مع متخصصين في الشؤون التعليمية لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عام 2015، عندما سألتهم عن الأطفال الذين لن يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس ضمن استراتيجية “إيصال الحق بالتعليم إلى الجميع” في مرحلتيها الأولى والثانية، قائلةً “لكنكم تعرفون أنه كلما انقطع الأطفال عن التعليم، أصبح من العسير إرجاعهم ثانيةً، لماذا إذاً نجعل إمكانية الوصول إلى التعليم مقتصرةً على القطاع العام، لماذا لا نمنح اللاجئين خياراً؟”، هزت موظفة المفوضية كتفها موافقةً وقالت إن هذا كان الخيار الوحيد المتاح. عرفت الحكومة اللبنانية أن هذا سيمنحها بطاقة رابحة للغاية عندما تتفاوض مع الحكومات المانحة. لأنه في حال رفضت الحكومة اللبنانية استقبال اللاجئين، ستواجه أوروبا موجة جديدة من اللاجئين على حدودها، وهو أمر قد يكلف الأحزاب الحاكمة الكثير في أي انتخابات مقبلة، نظراً لانتشار رهاب الأجانب بين سكان نصف الكرة الشمالي. 

كانت هذه خطة فاشلة منذ البداية. وأصبح مستقبل مئات الآلاف من اللاجئين السوريين مهدداً بالفعل بسبب هذا النوع من الصفقات. لا تمكن بأيّ حال زيادة القدرة الاستيعابية لأيّ نظام تعليمي خلال فترة زمنية تمتد لخمس سنوات فقط، ناهيك بالنظام التعليمي العام في لبنان الذي يعاني من مشكلات هيكلية طويلة المدى بما في ذلك الطائفية والفساد والمحسوبية السياسية.

 كثر منا ممن حاولوا المشاركة في محاولات الإصلاح في وزارة التربية والتعليم العالي يعرفون جيداً مدى صعوبة الأمر؛ فمنذ عام 1997، كانت لدى لبنان بالفعل خطتان لإصلاح التعليم قد ثبت فشلهما، فقد أهدرت مئات الملايين من المنح والقروض دون تحقيق نتائج لمصلحة اللبنانيين الذين يعانون من حرمان شديد. إن تعزيز النظام المضيف ومساندته في أزمة طويلة الأمد هو بالتأكيد إجراء حكيم، لكن ربما كان النظام السياسي اللبناني بمثابة مقامرة كبيرة، وقد كان ثمن هذه المقامرة الخاسرة مستقبل آلاف اللاجئين السوريين.

تتلخص الدروس التي يجب أن نتعلمها من هذه القصة في ما يلي، الدرس الأول هو أن موقف دعم الحكومات المضيفة يجب ألا يفوق الحاجة إلى احترام حقوق اللاجئين. كانت الشروط التي وضعها المجتمع الدولي تجاه الحكومة المضيفة غير واضحة ولم تطبق.

 ثانياً، في البلدان التي تعاني أنظمتها من فساد مستشرٍ – مثل النظام اللبناني المعروف بالفساد، بما في ذلك في مجال التعليم- هناك حاجة إلى مزيد من إجراءات المساءلة.

 الدرس الثالث المهم هو أن وضع كل البيض في سلة واحدة والاستثمار فقط في نظام واحد هي استراتيجية فاشلة. لأن سحب الخيارات التي تتيح للاجئين الالتحاق بأشكال مختلفة من التعليم ودخول المدارس، أدى إلى ضغط أقل على الحكومة اللبنانية للوفاء بالخطط والوعود لتحسين النظام.

 الدرس المستفاد الرابع هو أن إعطاء الأولوية للتعليم الرسمي المعتمَد على حساب إمكانية الوصول إلى أي نوع من التعليم، بما في ذلك التعليم غير الرسمي أو المهني والتقني، أدى إلى أن أكثر من نصف اللاجئين السوريين لم يحظوا بفرصة الحصول على مقعد في معهد معتمد للتعليم الرسمي أو غير الرسمي. وما زاد الطين بلة، أن الغالبية العظمى ممن تمكنوا من إيجاد موطئ قدم لهم في مدرسة رسمية معتمدة انتهى بهم الأمر بترك الدراسة قبل الصف التاسع. في نظام ينكر الحقوق الأساسية في التوظيف والتنقل، ويفشل في توفير فرص للجميع للحصول على تعليم جيد، يصبح التعليم قضية ثانوية. ويرتبط بهذا الدرس الخامس المتعلق بالوضع القانوني الذي تقدمه الحكومة اللبنانية للاجئين السوريين، ففي نظام لا يستطيع فيه اللاجئون الذين تزيد أعمارهم على 15 سنة الالتحاق بالمدرسة أو العمل بدون تصريح عمل وإقامة باهظة التكلفة، مع حرمانهم المشاركة في أي من مستويات المجتمع، لنا أن نفكّر بما إذا كان ينبغي تعليم اللاجئين في النظام الوطني.

 إن الاستثمار في الدولة المضيفة تصرف معقول للغاية، إلا أن شروط هذا الاستثمار وآثاره على اللاجئين لم تحدد بعد. وبالنسبة إلى مئات الآلاف من الأطفال السوريين الذين يُحرمون التعليم ويخسرون مستقبلهم؛ لا يمثل مؤتمر لندن شيئاً سوى الاستمرار في تثمين وعدٍ لم يفِ به.

المصدر: موقع درج