• بحث
المصدر: موقع درج

العمل تحت الرادار خيار اللاجئين السوريين الوحيد في لبنان

“حابب يكون إلي دور بالحياة. حابب إلعب دوري. حابب أدرس. حابب أعرف أقرأ وأكتب عربي وإنكليزي. حابب فوت بمجال التمثيل. يعني، ما فيني كون شي ولا فيّي أعمل أيّ شي. بس لأنّي سوري”.

“حابب يكون إلي دور بالحياة. حابب إلعب دوري. حابب أدرس. حابب أعرف أقرأ وأكتب عربي وإنكليزي. حابب فوت بمجال التمثيل. يعني، ما فيني كون شي ولا فيّي أعمل أيّ شي. بس لأنّي سوري”.

يعيش السوريّون والسوريّات الذين اضطروا إلى الهرب من الحرب في بلادهم واللجوء إلى دول الجوار، ومنها لبنان، رحلةَ معاناة تبدأ بالأوراق والوثائق المطلوبة منهم مقابل السّماح لهم بالعبور والإقامة، مع ما يرافقها من شروط وتعهّدات تقيّد حركتهم وقدرتهم على التأقلم والانخراط في المجتمع المُضيف، مروراً بقوانين العمل والسياسات المحلّية التي لا تراعي الظروف والاعتبارات السياسيّة التي تتحكّم بهم في الواقع، وتنتهي باستغلال أصحاب العمل وضعهم الهشّ وتعرّضهم للتمييز والعنصريّة.

الحق في التعلّم والنجاح وعيش حياة كريمة حلمٌ صعب المنال بالنسبة إلى مجد (اسم مستعار) ابن الأعوام الثمانية عشرة، الذي جاء قبل ستّ سنوات مع عائلته من ريف حلب إلى لبنان ليعيش- على حدّ قوله- “بس ليأكل ويشرب وينام”، في مجتمع يتعامل معه بعنصريّة مقيتة ويحرمه حتّى الحلم بمستقبل مشرق. بخوف وتردّد كبيرين يروي مجد بعض ما يعانيه في العمل والحياة اليوميّة من عنصريّة واضطهاد. يخبرنا عن صاحب المنزل الذي أجبره على قصّ شعره الذي أحبّه طويلاً “لأنّه يبدو داعشيّاً”، وعن صاحب الدكّان الذي اعتدى عليه بالضرب وطرده من محلّه عندما قصده طالباً العمل لتأمين مصروفه. في إحدى ورش البناء التي عمل فيها، تعرّض لحادث أجبره على الدخول إلى المستشفى، وأظهرت الصور الإشعاعية كسوراً في يده كانت تستدعي الراحة لأيّام قليلة قبل المراجعة، إلا أنّ المسؤولين عنه في الورشة لم يعترفوا له إلّا بنصف المدّة اللازمة واكتفوا بتغطية تكاليف المستشفى من دون تغطية كلفة العلاج.

 70 في المئة من اللاجئات واللاجئين السوريين المسجّلين في لبنان يعيشون من دون تصريح إقامة قانوني ويُجبَرون على قبول الدخل المنخفض وساعات العمل الطويلة والتأخر في دفع الأجور.

وتفرَض شروط على طالبي الإقامة من اللّاجئين السّوريّين في لبنان قد يجوز وصفها بالسورياليّة. أحدها على سبيل المثال لا الحصر التوقيع على تعهّد بعدم العمل، وهو ما يعتبره صلاح غيرَ منطقيّ، سائلاً: “أنا بدّي عيش. إذا ما اشتغلت كيف بدّي عيش؟”. صلاح هو اسم مستعار اخترناه تلبية لطلب هذا الشاب الذي لم يُخْفِ خوفَه من الملاحقة أو التضييق الذي قد يتعرّض له لمجرّد حديثه عمّا يعانيه.

درس صلاح، ابن ريف حماه، الحقوق وأتى إلى لبنان مع زوجته عام 2017 بغية بدء حياة جديدة بعيداً من الحرب. عندما وصل إلى لبنان، سعى إلى الحصول على إقامة قانونيّة، وهو ما كان صعباً جدّاً، كما بدأ يبحث عن عمل في مجال خبرته، المنظّمات الحقوقية أو ما يُعرَف بالـNGOs، إلّا أنّ الأمر استغرقه سبعة أشهر قبل قبوله في منظّمة تسمَح بتوظيف السوريّين، لكنّ ظروف العمل فيها بالنسبة إليه لم تكن أفضل. “كان هناك تمييز ضد السّوريّين لناحية الرواتب والتّعويضات والمعاملة، فقد كنت أتقاضى راتباً أقلّ بكثير من رواتب زملائي من غير السوريّين، علماً أنّ المهمات الموكلة إلينا كانت هي نفسها. حتّى عندما تركت العمل، لم أحصل على تعويض. لم أكن أشعر بالأمان وكأنّما كانت هناك رسالة واضحة مفادها أنّه مسموح لي بالعمل هنا لكن على مضض”.

العنصريّة والتمييز اللذان يواجههما السوريّون في لبنان لا يقتصران على مكان العمل. يروي صلاح لـ ”درج” بخجل حادثة حصلت معه بعد انفجار الرابع من آب/ أغسطس 2020 الذي هزّ مرفأ بيروت، ويقول: “تطوّعت في مطبخ وتوجّهت إلى ساحة الشهداء لتوزيع وجبات الطعام على المتضرّرين من سكّان المناطق القريبة من مكان الانفجار. أتت سيّدة لبنانيّة تجادلني وتطلب منّي عدم إعطاء الطّعام لـ(السيرلانكيّة) وقالت: لازم تعطينا نحن اللّبنانيين. وعندما أجبتها محاولاً طمأنتها بأنّ هناك كمّيّات كافية من الطعام للجميع، نظرت إليّ باستعلاء وقالت: آه أنت سوري؟!”.

في حادثة أخرى، يخبرنا صلاح عن اليوم الذي استقلّ فيه سيّارة أجرة مع زوجته ورفيقتهما، عندما انتظر سائق الأجرة وصولهم إلى وجهتهم ليخبرهم أنّ التعرفة أكبر ممّا كان قد طلبه في الأساس. وعندما رفض صلاح الاستجابة لطلب السّائق الذي اعتبره غير محقّ، اعتدى الأخير عليه بالشتائم والضّرب وحاول احتجاز حقيبة إحدى السيدتين وهدّدهم بتسليمهم إلى الشّرطة.

يعمل معظم اللاجئين السوريين في الاقتصاد غير المنظّم (92 في المئة من مجمل اللاجئين) وغالباً ما يفتقرون إلى الترتيبات الرسمية والضمان الاجتماعي.

الحالة غير المنظمة هذه لا ينبغي اعتبارها بمثابة قرار اقتصادي عقلاني قابل للتداول، بل استراتيجية لبقاء مئات آلاف الأفراد على قيد الحياة بعدما جُرِّدوا من حقوقهم ووصموا بأنهم عبء أمام خطط الحماية الاجتماعية الوطنية وتهديد وجودي للرفاه العام في المجتمعات المضيفة. ولا تقتصر حالهم غير المنظّمة على علاقات العمل، بل تمتد إلى حياتهم اليومية في مساكنهم وتفاعلهم الاجتماعي سواء في المدرسة أو المستشفيات وغيرها.

ابراهيم هو أب لثلاثة أطفال، جاء عام 2016 من حلب إلى لبنان حيث يعيش مع عائلته الصغيرة، إضافة إلى والدته وزوجة أخيه في منزل واحد هو مُعيله. يقول ابراهيم لـ ”درج” إنّه كان يدير محلّ حلاقة في أحد أحياء بيروت، إلّا أنّه اضطرّ لإقفاله لأنّه لم يكن قادراً على دفع المال لمن “يحميه” من المضايقات التي كان يتعرّض لها “فقط لأنّه سوريّ”. اليوم، يعمل ابراهيم في خدمة توصيل الطعام براتب زهيد لا يكاد يكفيه ثمن القوت اليومي والاشتراكات الشهريّة (إيجار المنزل واشتراك الكهرباء والإنترنت). وحتى ذلك لم يمنع أصحاب العمل من اقتطاع مبالغ ماليّة كانت تصل أحياناً إلى ثلث قيمة الرّاتب: “هو كل معاشي كان قبل يعني شي مليون مليون ونص. 500 ألف هيدي دايماً خصومات. متأخر 5 دقايق ولا شو مثلاً تأخرت بالطلبيّة. بس هي نوعاً ما لأنك سوري. هلأ في ناس بيجوا يشتغلوا ساعتين تلاتة وبيمشوا. أنا عملت حادث مرّة. رحت عالمستشفى بدي ادخل قلّي بدّك تأمين إيه شو هي… وراق التأمين يعني…. ما بيطلعلي أصلاً تأمين. إيه ما دخّلوني المستشفى”.

يواجه اللاجئون/ات السوريون/ات في لبنان تحديات أخرى تتمثّل بصعوبة الحصول على تصريح إقامة بسبب قوانين العمل التمييزية بما فيها القيود المفروضة على القطاعات التي يمكنهم الانخراط فيها ونظام الكفالة، إضافة إلى التضييق والإجراءات التي الإضافية التي تفرضها وزارة العمل اللبنانيّة ومتطلّبات الحصول على تصريح عمل حتى داخل القطاعات المسموح بها.

أمّا اللاجئات، فتأمين سبل العيش أكثر صعوبة بالنسبة إليهنّ من الرّجال لكونهنّ لا يتعيّن عليهنّ تحمّل القيود التي يواجهها جميع اللاجئين فقط، بل أيضاً القيود المتعلّقة بقواعد النوع الاجتماعي وتوقعات المحيط، فضلاً عن مواجهة تحدّيات إضافية تتعلّق بالمعايير الثقافية والمجتمعية ونقص دعم رعاية الأطفال، فيما تعمل معظم النساء السوريات الناشطات في لبنان في قطاعات مثل الزراعة والخدمات ذات القيمة المضافة المنخفضة.

تستند المعلومات والأرقام في هذا المقال على دراسة حالة أجراها معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، بدعم من مؤسسة “فورد”، كجزء من مشروع “آليات تكيّف اللاجئين غير النظاميّة في الشرق الأوسط: تفسير آليات التكيّف والصمود والوكالة لدى اللاجئين من سوريا في لبنان والأردن لتأمين سبل العيش في الاقتصاد غير الرسمي”.

المصدر: موقع درج