بحث
بحث

المليحة:اكتمال الطوق الشيعي حول دمشق

استقطاب بلدة المليحة في الغوطة الشرقية، لشيعة دمشق القديمة، لم يبدأ مع أحداث الحرب السورية، بل استغرق أكثر من ثلاثين عاماً. ولم تتضح الهيمنة المذهبية الجديدة على المليحة، إلا عندما سمح النظام للمدنيين بالعودة إليها في أيار/مايو 2018، رغم سيطرة مليشيات النظام عليها منذ آب/أغسطس 2014.

في تموز/يوليو، رُفعت لوحة ثلاثية كبيرة للأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني حسن نصر الله، وإلى جانبيه صورتين أصغر لبشار وماهر الأسد، فوق بوابة جامع المليحة الكبير. وأثار وضع تلك الصورة بلبلة بين سكان المليحة الأصليين، وتدخل بعض الوجهاء كوسطاء، فتم نقل اللوحة إلى الطرف الأيسر من واجهة الجامع، بحيث تُطلُّ على الساحة الرئيسية للبلدة، من دون أن ينتقص ذلك من رمزيتها. إذ لم يجرؤ الوجهاء السُنّة على الاعتراض على وضع الصورة فوق بوابة الجامع إلا لأن ذلك “حرام شرعاً”، لا على رمزية الصورة.

التركيز الشيعي على المليحة بدأ يتضح أكثر مع افتتاح مكاتب عقارية، بدأت تدير عمليات بيع وشراء العقارات بين السُنّة والشيعة، لتنظيم عمليات تمليك لسكان شيعة، أصولاً. وشهدت الحركة بيع السنّة لعقاراتهم نشاطاً واسعاً، خلال السنوات القليلة الماضية. عمليات التملك زادت من أعداد الشيعة في المدينة، وبدأوا بترميم ممتلكاتهم بعد استيلاء النظام عليها. ومن خلال علاقاتهم القوية مع النظام، تم تخصيص 200 مليون ليرة سورية من الحكومة كدفعة أولى لـ”إعادة تأهيل” البلدة، ليتم افتتاح البلدية و”الفرقة الحزبية” ومخفر الشرطة. شركة “الإمام للمقاولات” بدأت تنظيف الشوارع الرئيسية للبلدة وترحيل الأنقاض، على نفقتها، مقابل الترويج لعملها إعلامياً، لتنال الرضى الأهلي والحكومي، ما يعود عليها بمكاسب مادية ومعنوية.

ويوحي اسم شركة “الإمام” بأن صاحبها شيعي، خاصة مع وجود شيعة من “آل الإمام” في حي الأمين الدمشقي، إلا أن مالك الشركة سُنّي من مدينة النبك، تربطه علاقات قوية مع ضباط النظام ورجال أعمال، بالإضافة لعلاقاته مع شركات محمد حمشو، المستفيد الأكبر من تجارة أنقاض المدن المدمرة في سوريا. وعادت عملية تنظيف المليحة على صاحبها بمكاسب وعقود عمل في مناطق أخرى، على اعتباره قدّم خدمة كبيرة لـ”السكان”، وساهم بالإسراع في إعادة تأهيل البلدة، وتوطيد حياة السكان.

نشاطات “جمعية الصحة الخيرية” عادت إلى المليحة، وبدأت تساعد الأهالي، خاصة الشيعة منهم في حياتهم اليومية. مرة أخرى، يتضح أن مؤسس الجمعية هو تيسير أيوب، سُنّي من أهالي البلدة الأصليين. ويُعدّ أيوب من أبرز الشخصيات في البلدة التي قدمت خدمات التوطين للشيعة، فقد كان يعمل في المجال العقاري وباع عدداً كبيراً من العقارات لهم منذ التسعينيات، وجنى منها أرباحاً طائلة. وعند اندلاع حرب تموز 2006 في لبنان، ساهم أيوب بإيواء العائلات اللبنانية في المليحة، وبالغ في تقديم المساعدة لهم، ما منحه رضى قيادة “حزب الله” إلى درجة تقديم شكر خاص له من حسن نصر الله. وعلى أثر ذلك الشكر، أسس أيوب “جمعية الصحة الخيرية”، المدعومة مالياً من “حزب الله” وإيران.

عائلات بيضون والصوص ونظام والماضي ومحسن وصافي والعاقل، الدمشقية الشيعية من حيي الشاغور والأمين في دمشق القديمة، بدأت بالتوافد إلى المليحة في ثمانينات القرن الماضي. وليس واضحاً لماذا تم تخصيص المليحة بهذا الاهتمام الشيعي، إلا أن موجة النزوح الشيعية من دمشق إلى ريفها لا يمكن فصلها عن موجة نزوح عامة لسكان دمشق القديمة، نهاية الثمانينيات، باتجاه الريف، بعد الارتفاع الكبير في أسعار العقارات في دمشق، وسط تراجع القدرة على تحمل تكاليف الحياة فيها لكثير من السكان. اختيار الشيعة للانتقال إلى المليحة، حينها، قد لا يكون ممنهجاً، بل فرضته مجموعة عوامل منها قربها من العاصمة دمشق، ورخص اسعار العقارات فيها. وأعقب ذلك قدوم عائلات إيرانية وعراقية ولبنانية شيعية، اشترت عقارات وأنشأت كتلاً سكنية خاصة أشهرها “منطقة الشيخ سعد” و”جمعيات شيخ محي الدين” و”جمعيات الصفا”. وسرعان ما أقيمت الحسينيات والزوايا ضمن تلك الكتل السكنية.

الطبيب محمد سعيد حلباوي، اللبناني من البقاع، أسس مشفى “الطب النفسي الحديث” في المليحة، وأنشأت زوجته الطبيبة مكية الصوص مشفى “الصفا” المختص بالتوليد والأمراض النسائية، ليصبحا أبرز صروح بلدة المليحة الحضارية.

ولبلدة المليحة أهمية استراتيجية كبيرة بسبب قربها من مدينة دمشق، ومن طريق المطار، وهي واسطة العقد بين الغوطة الشرقية وجنوبي دمشق، إذ تبعد المليحة عن بلدة السيدة زينب، مركز ثقل الشيعة في ريف دمشق، مسافة 4 كيلومترات فقط. وتعتبر المليحة بوابة الغوطة الشرقية من جهة دمشق وتعد من أجمل بلدات الغوطة لكثافة اشجارها ووفرة مياهها.

بالنسبة للمحيط السني، ظل الاهتمام الشيعي بالمليحة غامضاً، حتى سيطرت المعارضة عليها أواخر العام 2012. وعندما شكّل الأهالي لجنة لإيواء النازحين الوافدين إلى البلدة من مناطق الاشتباكات، وجدت بحدود 2000 شقة سكنية بعد جرد منازل وممتلكات السكان الشيعة الذين نزحوا من البلدة. وعند قيام اللجنة بتفتيش تلك الشقق، وجدت في بعضها جوازات سفر إيرانية ولبنانية وعراقية، ومستندات تثبت ارتباط بعض أصحابها بـ”حزب الله”، وبيانات مالية كانت تُمنح لهم من الحزب.

الأوضاع المالية المتدهورة لأهالي المليحة من السنّة النازحين والمحاصرين في الغوطة الشرقية، بعد سيطرة النظام على المليحة في آب/أغسطس 2014، دفعتهم لبيع عقاراتهم. هنا نشطت حركة شراء الشيعة للعقارات عبر وسطاء بين الطرفين. عمليات البيع كانت شبه منظمة، استغلتها “شركة النحاس العقارية” التي اشترت الكميات الأكبر من العقارات. عملية نقل الملكية في الدوائر الحكومية، كانت تسير بشكل قانوني وسلس، نظراً لتسهيلات قدمها النظام. النظام كان قد قيّد عمليات بيع العقارات في سوريا أثناء الثورة، وفرض الحصول على موافقة أمنية لكل عملية بيع وشراء.

التحركات الشيعية في المليحة لم تكن مدنيّة فحسب، إنما زجّت فصائل شيعية مسلحة بثقلها العسكري في معركة استعادة السيطرة على المليحة، التي بدأت في 1 نيسان 2014 واستمرت 135 يوماً. قوات النظام كانت مترهلة حينها، لذا كانت مشاركة مليشيات “حزب الله” اللبناني و”حزب الله” العراقي و”أسد الله الغالب”، و”عصائب أهل الحق”، و”لواء أبي الفضل العباس”، و”حركة النجباء العراقية”، حاسمة لجهة استعادتها. واشتهرت عبارة للمقاتلين الشيعة آنذاك: “هذي شامك يا علي”.

وبعد استكمال السيطرة على المليحة تولت الميليشيات الشيعية ربط البلدة والنقاط المحيطة بها، واتخذت مقراتها داخلها، ولم تسمح لملشيات النظام بدخولها. إلى أن سمحت الأجهزة الأمنية لجميع المدنيين في الغوطة الشرقية بالعودة إلى قراهم المهجورة، بعد استعادة سيطرة المليشيات على كامل الغوطة الشرقية في نيسان 2018.

وليس واضحاً لماذا يتركز الوجود الشيعي اليوم في المليحة، إلا أن البعض يشير إلى السعي الإيراني لتشكيل “طوق شيعي” حول مدينة دمشق، قبل التوجه نحو مدينة حرستا، التي تقول أدبيات شيعية بـ”ظهور أولى علامات خروج الإمام المهدي” من حرستا. وقد يساعد على تحقيق هذا الربط، بين المليحة وحرستا، وجود بلدة حوش الصالحية الشيعية في عمق الغوطة.
المصدر: جريدة المدن الالكترونية 

اترك تعليقاً