بحث
بحث

دمشق: عيد المسيحيين هذا العام لم يكُن الأفضل.

عيد الميلاد الأول الذي يمرّ على دمشق، وهي “خالية من الإرهاب”، وفقاً للنظام، الذي استغل الفرصة للإشارة إلى انتهاء العمليات العسكرية وسيطرته على كامل ريف العاصمة، ما أوقف القصف العشوائي على أحياء المسيحيين شرقي دمشق.

وكان مُتوقعاً أن يكون هذا العيد هو الأفضل بالنسبة للمسيحيين المتبقين في دمشق، إلا أن تدخل المخابرات، غير المُتوقع، أفسد البهجة. ففرضت حالة أمنية على أحياء القصاع وباب توما وباب شرقي، لم تشهد مثيلاً لها في أوج معارك أحياء دمشق الشرقية، ووسط المُفخخات وقذائف الهاون، ما أثار غضب مسيحيي دمشق.

مصادر خاصة قالت لـ”صوت العاصمة”، إن أكثر من ألف عنصر، من قوات النظام، و”إدارة المُخابرات الجوية”، وفروع “الأمن العسكري”، وقوى “أمن الدولة”، انتشروا في دوريات، بسلاحهم وعتادهم الكامل، في مُحيط ومداخل دمشق القديمة، وعلى طول الطريق الواصل من مدخل باب شرقي إلى ساحة العباسيين، مروراً بأحياء باب توما والقصّاع. 

وجاء ذلك الانتشار الكثيف لفرض “الأمن والأمان”، على الرغم من “الانتصار على الإرهاب” الذي يروّج له النظام السوري منذ انهاء كافة أشكال الوجود المُعارض في مُحيط دمشق، في أيار/مايو 2018.

“خلصت وفشلت”، في إشارة إلى نهاية الثورة السورية وانتصار النظام، كما ردد القائمون على كرنفال الميلاد، الذي رعته شركة الاتصالات الخليوية MTN وشركات إعلامية. 

اضاءة شجرة ميلاد كبيرة للسلام في ساحة العباسيين، لم تمنع من إرسال التحيات لـ”الجيش السوري” في الكرنفال، ولا من رفع أعلام سوريا وروسيا، ما أثار استفزاز مسيحيي تلك المناطق، ورفض قسم كبير منهم ما جرى، واصفين ذلك بالتدخل غير المقبول من قبل أجهزة الأمن السوري والفعاليات الاقتصادية.

يقول أحد رجال الدين المسيحيين لـ”صوت العاصمة”: “على الرغم من موالاة معظم مسيحيي دمشق للنظام، لكن التدخل في عيدنا الأول بعد انتهاء الحرب بهذه الطريقة أمر مرفوض، لقد فرض النظام علينا الشجرة الكبيرة، وسيّر كرنفالات من خارج الكنيسة وكشافاتها، لا في دمشق فقط، بل في معظم المُحافظات، مع توجيه تعليمات صارمة للكنائس والقساوسة من قبل أجهزة الاستخبارات بتشجيع الناس على الاحتفالات، وتزيين كافة المناطق حتى الشوارع العامة، ابتهاجاً بالانتصار على الإرهاب؟”.

ويُضيف القس: “لم تشهد المنطقة هذا الانتشار الأمني الكثيف منذ سنوات، وحتى مع زيارة الأسد للمنطقة ليلة الميلاد عام 2016، لم ينتشر قرابة ألف عنصر فيها، ولم تجري عمليات تفتيش للمارة والمُحتفلين من أبناء ديانتنا بهذه الطريقة المُهينة”.

ويؤكد أن “شبان اللجان الشعبية المسيحيين، المسؤولين عن حماية المنطقة منذ سنوات، أبلغوا أجهزة الاستخبارات والمسؤولين بجهوزيتهم الكاملة لتأمين الاحتفالات، بدون ظهور مُسلح علني، إلا أنّ ما جرى هو استفزاز غير مقبول”.

وأشار البعض إلى ما فعله النظام ليلة رأس السنة الهجرية والمولد النبوي، إذ أقام ورشات الصيانة في دمشق القديمة والبزورية تحديداً، فأزيل البلاط الحجري من الشوارع، لتتحوّل المنطقة إلى ورشة كبيرة ما تسبب بتعطيل الاحتفالات والتجمعات، بينما عمد إلى الترويج لاحتفالات الميلاد ورأس السنة بشكل كبير، وأن تلك الأفعال يُمكن أن تخلق نوع من الفتنة بين سُكان العاصمة، مع تحيّز النظام بشكل واضح لعاشوراء وأعياد الميلاد ورأس السنة، وتعطيل مقصود لعيد المولد النبوي والسنة الهجرية.

أحد تُجار المنطقة المسيحيين، قال لـ”صوت العاصمة”، إنّ معظم العائلات المسيحية فضّلت الاحتفال في المنزل ليلة الميلاد، والكثير منها سهرت ليلة العيد في صيدنايا ومعلولا وبلودان، “بعدما حدث ليلة إضاءة الشجرة الكبيرة، والانتشار الأمني الدائم، فضلاً عن المضايقات التي تجري بحق الفتيات من قبل هؤلاء العناصر، وإجراء التفتيش الشخصي في الحارات القديمة من باب توما وباب شرقي”.

ويُضيف التاجر: “الدولة تدعي حماية الأقليات، لكن ما جرى هو تأجيج لشارع الأقليات، فالنظام لم يستطع حماية تلك المناطق من المُفخخات والهاون طوال السنوات الماضية، ليأتي بعد انتهاء العمليات العسكرية، وعدم وجود خطر حقيقي يُهدد المنطقة، وينشر مئات العناصر في الشوارع، ليسكروا حتى الثمالة، ويتحرشوا بجميع المارة”. ويُنهي التاجر حديثه: “ننتظر ليلة رأس السنة لنرى ما سيحصل مع وجود هؤلاء المسلحين، الذين سيفرحون، مثل كل عام، على طريقتهم، بإطلاق الأعيرة النارية، لكن الكثافة الكبيرة في مناطقنا، ستتسبب حتماً بسقوط جرحى، ورُبما قتلى”.

وبحركة مقصودة، استنفرت المليشيات الشيعية عناصرها في الأحياء التي تُسيطر عليها في دمشق القديمة، والمتصلة بأحياء المسيحيين. وأخدت المليشيات تفتيش الداخلين والخارجين إلى أحياء المسيحيين، لأسباب غير واضحة، مع رفع صوت الأناشيد الطائفية من حواجزها.

ويبدو أن أحياء القصاع وباب توما وباب شرقي، قد استقطبت في عيد الميلاد، أعداداً كبيرة من مختلف الطوائف، للاحتفال في باراتها ومطاعمها. يقول أحد سُكان المنطقة: “لا مُشكلة لدينا بهذا، فالعيد للجميع، ولكن من غير المقبول أن يكون الحضور الاسلامي بهذه الكثافة، لدرجة أننا لم نستطع حجز طاولة في أحد المطاعم بدمشق القديمة، بسبب حجزه بالكامل من المُسلمين المُحتفلين بعيد الميلاد”.

اترك تعليقاً