بحث
بحث

عودة المُهجّرين إلى ريف دمشق: صراع إيراني-روسي؟



منذ مطلع العام 2018، شهدت مدينة البويضة، جنوبي دمشق، عودة أكثر من 10 آلاف نسمة، أي ما يقارب ألف أسرة، بعد إعادة تأهيل جزئي للبنى التحتية من قبل محافظة ريف دمشق. وسرعان ما غادر الكثيرون من العائدين، بعد منعهم من الإقامة في منازلهم، بحجة أن “التأهيل” لم ينتهِ بعد. وقد سمح بالدخول لأهالي عناصر المليشيات المسؤولة عن حماية المنطقة فقط، على أن يتم تقديم طلبات تسمح لـ”الجميع” بالعودة التدريجية، بالتزامن مع استمرار ورشات محافظة ريف دمشق بإعادة تأهيل المدراس والشوارع والكهرباء والمياه والصرف الصحي.

محافظة ريف دمشق، كانت قد بدأت في حزيران/يونيو 2017، وبتوجيهات روسية، خطة لإعادة تأهيل بعض مناطق الريف الدمشقي، تمهيداً لعودة المهجّرين إليها، بعد سنوات من إغلاقها أمام السكان وعدم السماح لهم حتى بالاطمئنان على بيوتهم.

البداية كانت من بلدة السبينة، جنوبي دمشق، القريبة نسبياً من السيدة زينب، أكبر معاقل المليشيات الشيعية في ريف دمشق. وتبسط المليشيات الشيعية سيطرتها على المنطقة، وتمنع الأهالي من العودة، وذلك بعدما هجّرتهم في العام 2013، نتيجة ارتكابها مجازر طائفية بحقهم.

السبينة والبويضة وحجيرة، هي بلدات ذات طابع عمراني عشوائي، لم تشهد دماراً كبيراً، بل تم تهجير أهلها بفعل مجازر طائفية، بعد تشكيلهم مجموعات مسلحة لحمايتها من أجهزة مخابرات النظام ومليشياته. دخول المليشيات العراقية إلى تلك البلدات، مطلع العام 2013، تسبب بتهجير مئات الآلاف قسراً، رغم وجود فئة كبيرة من المواليين للنظام. فإيران كانت تنوي وضع يدها على المنطقة بسبب قربها من مناطق سيطرتها، و”إعادة إعمار” المناطق العشوائية، في سبيل توسيع رقعة السيطرة وإكمال مشروع “ضاحية دمشق الجنوبية”.

ويبدو أن التدخل الروسي، بعد سنوات من إخلاء تلك المناطق، بدأ يحول دون تنفيذ المخطط الإيراني. الأوامر الروسية كانت واضحة، بتنسيق مع “الأمن الوطني” الذي يترأسه علي مملوك، حول وجوب إعادة قسم كبير من أهالي تلك المناطق إلى منازلهم، بعد إجراء تأهيل بسيط لها.

مبنى محافظة ريف دمشق، كان قد شهد زيارات متتالية، طيلة أربع سنوات، لرؤساء البلدات ووفود شعبية من تلك المناطق، طلباً للعودة، لكن الإجابات كانت تأتي مُبهمة دائماً. فالمحافظة تضع اللوم على “الأمن الوطني” الذي يضع اللوم بدوره على المحافظة وفرع “الأمن العسكري” المسؤول أمنياً عن المنطقة، من دون توضيح بأن التهجير جاء بسبب رغبة مليشيات إيران في توسيع رقعة سيطرتها.

في أيلول/سبتمبر 2017، عاد الآلاف إلى بلدة السبينة، بعد تأهيل بعض مرافقها، وتجنيد شباب من أبنائها في “اللجان الشعبية” الموالية للنظام، لحماية المنطقة، وإجراء فرز واضح بالنسبة لمن يُسمح لهم بالعودة إلى البلدة. الأولوية كانت لذوي “الشهداء” في قوات النظام، ويليهم جرحى الجيش والمليشيات الموالية وعوائلهم، ومن ثم أعضاء حزب “البعث الاشتراكي”، والموظفين الحكوميين.

ووضع النظام شروطاً تعجيزية لعودة المدنيين العاديين، تتمثل بوجوب حضور صاحب المنزل شخصياً لتقديم طلب العودة، وجلب صك ّملكية المنزل، وإن كان صاحب المنزل غير موجود وحضر ابناؤه، فلا يتم السماح لهم بتقديم طلب العودة إلا بعد الحصول على وكالة رسمية، وإن كان الأب متوفى، فيجب إجراء وإتمام معاملة “حصر الإرث”. ومع ذلك، يمكن أن يأتي الرد من “الأمن الوطني” بالرفض، في حال كان للعائلة مشاكل أمنية مع النظام، أو أبناء مطلوبين أو فارين من التجنيد الإجباري. وعدا عن كل ذلك، فرضت محافظة ريف دمشق على العائدين، حتى لذوي قتلى مليشيات النظام، دفع فواتير الكهرباء والمياه والهاتف والضرائب المالية المتراكمة منذ سنوات، والحصول على براءة ذمة من الدوائر الحكومية حتى يُسمح لهم بالدخول.

بلدة البويضة المجاورة، شهدت عودة تدريجية للأهالي، بالشروط ذاتها، مع وعود بإنهاء ملف حجيرة خلال وقت قريب، والسماح بعودة الأهالي إليها. عودة الناس إلى البويضة والسبينة كانت بحضور رسمي من “وزارة المصالحة”، ووجود واضح لوفود عسكرية روسية، وضباط من قاعدة حميميم العسكرية الروسية في الساحل الروسي.

الزبداني في ريف دمشق الغربي شهدت أيضاً عودة تدريجية للأهالي، ولكن بلا تدخل محافظة ريف دمشق، أو حضور رسمي وإجراء احتفالات “بعثيّة” كما جرى في السبينة والبويضة. فبعد شهور على تهجير كل من فيها إلى الشمال السوري، تم إبلاغ الناس بالسماح لهم بالعودة، وفتح مكتب لـ”المصالحة الوطنية” لمن يود تسوية وضعه. ورغم ذلك، فلا مفر من التجنيد الإجباري بالنسبة للعائدين.

محافظة ريف دمشق بدأت تأهيل البنى التحتية في الزبداني، مع إبلاغ الناس في المناطق المدمرة، بأنه في حال تم الاتفاق بين سكان الحي أو البناء على إعادة إعمارها، فعليهم تقديم طلب إلى محافظة ريف دمشق، والتي تعمل بدورها، مع منظمات دولية على هدم البناء وإعادة إعماره، فضلاً عن دخول عشرات المتعهدين إلى المنطقة وتقديم عروض عمرانية فردية لمزارع وفيلات وأبنية سكنية تهدمت بفعل القصف. فعلياً، لم يحدث شيء من ذلك القبيل، حتى اللحظة.

الوعود المُقدمة من قبل محافظ ريف دمشق و”وزارة المصالحة”، تُشير إلى عودة قريبة أيضاً إلى قرى عين الفيجة وعين الخضرا وبسيّمة في وادي بردى، بعد الانتهاء من تأهيل حرم النبع والمنطقة بشكل مبدئي. ويأتي ذلك بالتزامن مع حملة كبيرة لإعادة تأهيل القسم غير المدمر من مدينة داريا وتجهيز مرافق عامة مثل البلدية والمخفر والمستوصف والمدارس من قبل المجلس المحلي التابع لمحافظة ريف دمشق، تمهيداً لعودة آلاف المواطنين خلال الشهور القادمة، بحسب تصريحات رسمية لمحافظ ريف دمشق.

وفي الغوطة الشرقية، زار وفد روسي، قبل شهرين تقريباً بلدة شبعا القريبة نسبياً من مطار دمشق الدولي، وبدأت مرحلة إعادة التأهيل من أجل السماح لأهالي المنطقة بالعودة إليها خلال الفترة المقبلة.

الاجراءات المتخذة من قبل الجانب الروسي في تلك المناطق، تأتي في إطار إبعاد يد إيران عن المنطقة، أو على الأقل عدم السماح لها بالسيطرة الكاملة. داريا على سبيل المثال، كانت ستشهد إعادة تأهيل وشق طرقات من قبل الإيرانيين، بسبب وجود مزعوم لمقام “سُكينة”، أما اليوم فلم تعد المساحة الخاضعة لسيطرتهم كبيرة في المدينة، بعد تدخل محافظة ريف دمشق وتأهيل مساحات كبيرة تمهيداً لعودة السكان.

المصدر: جريدة المدن الالكترونية 

اترك تعليقاً